النويري
251
نهاية الأرب في فنون الأدب
أن أباه كان ملك قومه ، ولم يكن له ولد إلا النجاشىّ ، وكان للنجاشىّ عمّ له من صلبه اثنا عشر رجلا ، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة ، فقالت الحبشة بينها : لو أنا قتلنا أبا النجاشىّ ، وملَّكنا أخاه فإنه لا ولد له غير هذا الغلام ، وإن لأخيه من صلبه اثنى عشر رجلا يتوارثون « 1 » ملكه من بعده ، فغدوا على أبى النجاشىّ فقتلوه وملَّكوا أخاه ، فمكثو على ذلك حينا ، ونشأ النجاشىّ مع عمه ، وكان لبيبا حازما ، فغلب على أمر عمه ، ونزل منه بكل منزلة ، فلما رأت الحبشة مكانه منه ، قالت : واللَّه لقد غلب « 2 » هذا الفتى على أمر عمه ، وإنا لنتخوف أن يملكه علينا ، وإن ملَّكه علينا قتلنا أجمعين ، لقد عرف أننا نحن قتلنا أباه . فمشوا إلى عمّه فقالوا : إما أن تقتل هذا الفتى ، وإما أن تخرجه من بين أظهرنا ، فإنّا قد خفناه على أنفسنا ، قال : ويلكم ! قتلتم أباه بالأمس وأقتله اليوم ! بل أخرجه من دياركم ، فخرجوا به إلى السوق ؛ فباعوه من رجل من التجار بستمائة درهم ، فقذفه في سفينته وانطلق به حتى إذا كانت العشاء من ذلك اليوم ؛ هاجت سحابة من سحائب الخريف ، فخرج عمّه يستمطر تحتها ، فأصابته صاعقة فقتلته ، ففزع الحبشة إلى ولده ، فإذا هو محمّق ليس في ولده خير ، فمرج على الحبشة أمرهم ، فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك قال بعضهم لبعض : تعلَّموا واللَّه أن ملككم « 3 » الذي لا يقيم أمركم غيره للذي بعتم « 4 » غدوة ، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه ، قال : فخرجوا في طلبه ، فأخذوه من الرجل الذي باعوه له ، ثم جاؤوا به فعقدوا عليه التاج ، وأقعدوه على سرير
--> « 1 » في الأصل « يتوارثوا » وهو تحريف . « 2 » في الأصل « علمت » ، والصواب عن ابن هشام ( 1 : 222 ) . « 3 » في الأصل « ملكم » ، والصواب عن ابن هشام ، والديار بكرى . « 4 » في الأصل « يقيم » ، والصواب عن ابن هشام ، وفى الديار بكرى « بعتموه » .