النويري
248
نهاية الأرب في فنون الأدب
ضوى « 1 » إلى بلدك منّا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، جاؤوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم عليهم ، فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه . قالت : ولم يكن شئ أبغض إلى عبد اللَّه وعمرو من أن يسمع إلى كلامهم النجاشىّ ، فقالت بطارقته : صدقا أيها الملك ، قومهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه ، فأسلمهم لهما فليردّاهم إلى بلادهم وقومهم ، قالت « 2 » : فغضب النجاشىّ وقال : لا ها اللَّه ! إذا لا أسلَّمهم إليهما ، ولا يكاد قوم جاورونى ، ونزلوا بلادي ، واختارونى على من سواي ؛ حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم ، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم « 3 » ، وأحسنت جوارهم ما جاورونى . قالت : ثم أرسل إلى أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا أجبتموه « 4 » ، قالوا : نقول واللَّه ما علمنا وما أمرنا نبيّنا ؛ كائنا في ذلك ما هو كائن ، فلما جاؤوا وقد دعا النجاشىّ أساقفته ، فنشروا مصاحفهم حوله ؛ سألهم فقال : ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ؛ ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ فكان الذي كلَّمه جعفر بن أبي طالب فقال : أيها الملك ، كنّا قوما أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام [ ونأكل « 5 » ] الميتة ، ونأنى الفواحش ، ونقتطع « 6 » الأرحام ، ونسىء الجوار ، ويأكل القوىّ
--> « 1 » ضوى : لجأ . « 2 » في الأصل : « قال » ، والصواب عن ( ابن هشام 1 : 359 ) . « 3 » كذا في الأصل . ورواية ابن هشام والديار بكرى في تاريخ الخميس 1 : 290 « منعتهم منهما » . « 4 » في ابن هشام والديار بكرى « جئتموه » . « 5 » الزيادة من ابن هشام . « 6 » في ابن هشام والديار بكرى « نقطع » .