النويري

206

نهاية الأرب في فنون الأدب

وعاب ديننا ، وفرّق جماعتنا ، وسبّ آلهتنا ؛ لقد صبرنا منه على أمر عظيم ، أو كما قالوا ؛ فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فأقبل يمشى حتى استلم الركن ، ثم مرّ بهم طائفا بالبيت ، فغمزوه ببعض القول ، قال : فعرفت ذلك في وجهه صلى اللَّه عليه وسلم ، ثم مضى ، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها ، فوقف ثم قال : « أتسمعون يا معشر قريش ؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذّبح « 1 » » . قال : فأخذت كلمته القوم حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع ، حتى إن أشدّهم فيه وصاة « 2 » قبل ذلك ليرفؤه « 3 » بأحسن ما يجد من القول ، حتى إنه القول ، انصرف يا أبا القاسم ، فو اللَّه ما كنت جهولا ، فانصرف رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم ، فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم ، وما بلغكم عنه ، حتى إذا دنا منكم وباداكم بما تكرهون تركتموه ، فبينما هم في ذلك طلع رسول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، فأحاطوا به يقولون : أنت الذي تقول كذا وكذا لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم ، فيقول : « نعم ، أنا الذي أقول ذلك » . قال : فلقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجمع « 4 » ردائه ، فقام أبو بكر دونه وهو يبكى ويقول : * ( ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله ) ) * ، ثم انصرفوا عنه . فإن ذلك لأشدّ ما رأيت قريشا نالوا منه قطَّ « 5 » .

--> « 1 » زاد أبو نعيم في الدلائل ص 165 : « وأشار بيده إلى حلقه » . وفى الأصل : « بالريح » ، والمثبت عن ابن هشام 1 : 309 ، وانظر شرح المواهب 1 : 251 . « 2 » الوصاة : الوصية . « 3 » ليرفؤه : يهدّثه . « 4 » في تاريخ الطبري 2 : 223 : « بجمع ردائه » . « 5 » ذكر هذا الخبر بمعناه في شرح المواهب 1 : 251 ، وانظر الطبري 2 : 223 .