النويري
173
نهاية الأرب في فنون الأدب
وروى البخارىّ - رحمه اللَّه - في صحيحه « 1 » بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه ، عن عائشة أمّ المؤمنين رضى اللَّه عنها : أن الحارث بن هشام سأل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللَّه ، كيف يأتيك الوحي ؟ فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : أحيانا يأتيني مثل صلصلة « 2 » الجرس وهو أشدّه علىّ ، فيفصم « 3 » عنى وقد وعيت عنه ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلَّمنى فأعى ما يقول . قالت عائشة : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم « 4 » عنه وإنّ جبينه ليتفصّد عرقا . وبسنده « 5 » عن عائشة رضى اللَّه عنها أنها قالت : أوّل ما بدئ به رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصّبح ، ثم حبّب إليه الخلاء ، فكان يلحق بغار حراء ، فيتحنّث فيه ، وهو التعبّد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزوّد لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها ، حتى جاء الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ ، قال : قلت : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطَّنى حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطَّنى الثانية حتى بلغ من الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطَّنى الثالثة ، ثم أرسلني فقال : * ( ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ) ) * فرجع بها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد ، فقال : زمّلونى زمّلونى ، فزمّلوه حتى ذهب عنه الرّوع ، فقال لخديجة وأخبرها الخبر : لقد
--> « 1 » صحيح البخاري 1 : 6 . « 2 » الصلصلة : صوت الحديد إذا حرّك . « 3 » يفصم عنى : يقلع . « 4 » يتفصد : يسبل عرقا . « 5 » صحيح البخاري 1 : 7 ، 4 : 151 ، وانظر 6 : 173 .