النويري
14
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقد اعتذر القائلون هذا القول عنه بأعذار ، وأقاموا أدلة على أنه ليس يسقاح ولا من أمر الجاهلية . وفى أعذارهم وأدلَّتهم بعض تكلَّف . وقد حصل الظفر - وللَّه الحمد والمّنة - بما يزيل هذا الإشكال ، ويرفع هذا الاحتمال ، ويخلَّص من مهاوى هذه الشّبه ؛ وهو الصحيح ، إن شاء اللَّه تعالى ، وسنذكره بعد ذكر أعذارهم وأدلَّتهم . أما ما استدلوا به على تقدير أن يكون كنانة خلف على برة بنت مرّ بن ادّ بعد أبيه ، فقال السّهيلىّ « 1 » ، رحمه اللَّه ، في قوله تعالى : * ( ( ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ « 2 » ) ) * ؛ أي إلا ما قد سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام ، قال : وفائدة لاستثناء ألا يعاب نسب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وليعلم أنه لم يكن في أجداده بغية ولا سفاح ؛ ألا ترى أنه لم يقل في شئ نهى عنه في القرآن ( إلا ما قد سلف ) نحو : * ( ( ولا تَقْرَبُوا الزِّنى « 3 » ) ) * ؛ ولم يقل ( إلا ما قد سلف ) ، * ( ( ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ « 4 » ) ) * * ولم يقل ( إلا ما قد سلف ) ، ولا في شئ من المعاصي التي نهى عنها إلا في هذه [ لآية « 5 » ] ، وفى الجمع بين الأختين ؛ لأن الجمع بينهما قد كان مباحا في شرع من قبلنا ؛ وقد جمع يعقوب عليه السلام ، بين راحيل « 6 » وأختها ليا ؛ فقوله : ( إلا ما قد سلف ) التفات إلى هذا المعنى وتنبيه على هذا المعزى . ونقل السّهيلىّ هذه التكتة عن القاضي أبى بكر بن العربىّ . واعتذار من اعتذر عن هذه الواقعة على هذا المنوال .
--> « 1 » نقل هذا الاستدلال عن السهيلي ، الدميري في حياة الحيوان 2 : 215 ، والزرقاني في شرح المواهب 1 : 93 . « 2 » النساء 22 . « 3 » الإسراء 17 . « 4 » الأنعام 6 « 5 » التكملة عن الدميري 2 : 215 ؛ « 6 » في شرح المواهب الدنية 1 : 93 : « يقال راجيل بالجيم وبالحاء » ، وفى جهرة الأنساب لابن حزم ص 469 : « لياء » باللَّه .