النويري
127
نهاية الأرب في فنون الأدب
دار ، واشترى لكل واحد منهم جارية وأعتقها وزوّجها برجل منهم ، وأعطى كلّ واحد منهم عطاء جزيلا ، وأمرهم أن يقيموا في ذلك الموضع إلى أن يجئ زمان النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، ثم كتب كتابا وختمه بخاتم من ذهب ، ودفعه إلى العالم الكبير ، وأمره أن يدفع الكتاب إلى محمد صلى اللَّه عليه وسلم إن أدركه ، وإلا أوصى به أولاده بمثل ما أوصاه به ، وكذلك أولاده حتّى ينتهى أمره إلى محمد صلى اللَّه عليه وسلم . وكان في الكتاب : أما بعد فانى آمنت بك وبكتابك الذي أنزل عليك ، وأنا على دينك وسنّتك ، وآمنت بربك وربّ كلّ شئ ، وآمنت بكل ما جاء من ربّك من شرائع الإيمان والإسلام ، فإن أدركتك فبها ونعمت ، وإن لم أدركك فاشفع لي ، ولا تنسني يوم القيامة ، فإني من أمّتك الأوّلين ؛ وتابعيك « 1 » قبل مجيئك ، وأنا على ملَّتك وملَّة أبيك إبراهيم عليه السلام . ثم ختم الكتاب ونقش عليه : * ( ( لِلَّه الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ ) ) * وكتب على عنوانه إلى محمد بن عبد اللَّه نبىّ اللَّه ورسوله ، وخاتم النبيين ، ورسول رب العالمين ، صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، من تبّع الأوّل حمير بن حمير ابن وردع « 2 » أمانة للَّه في يد من وقع اليه إلى أن يوصله إلى صاحبه ، ودفع الكتاب إلى الرجل العالم الذي أبرأه من علَّته . وصار تبّع من يثرب حتى مات بقلسان « 3 » من بلاد الهند . وكان من اليوم الذي مات فيه تبّع إلى اليوم الذي بعث فيه النبي صلى اللَّه عليه وسلم ألف سنة لا تزيد ولا تنقص ، وكان الأنصار الذين نصروا النبي صلى اللَّه عليه وسلم من أولاد أولئك العلماء والحكماء ، فلما هاجر النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلى المدينة ، سأله أهل القبائل أن ينزل عليهم على ما نذكر ذلك إن شاء اللَّه تعالى ؛ فكانوا يتعلَّقون بناقته وهو يقول : خلَّوا الناقة فإنها مأمورة ، حتى جاءت إلى دار أبى أيّوب ، وكان من أولاد العالم الذي أبرأ تبعا برأيه .
--> « 1 » في ثمرات الأوراق : « وقد بايعتك » . « 2 » كذا في الأصل . « 3 » كذا في الأصل .