النويري

125

نهاية الأرب في فنون الأدب

ولم يعظَّموه ، فغضب لذلك ، ثم دعا وزيره عمار « 1 » يشا وقال : كيف شأن أهل هذه البلدة ؟ فإنهم لم يهابونى ، ولم يخافوا عسكرى ، فقال : أيها الملك إنهم قوم عرب « 2 » جاهلون لا يعرفون شيئا ، وإن لهم بيتا يقال له كعبة ، وهم معجبون بهذا البيت ، وهم قوم يعبدون الطَّواغيت ، ويسجدون للأصنام . فقال الملك : وهم معجبون بهذا البيت ؟ قال : نعم ، فنزل بعسكره ببطحاء مكَّة ، وفكر في نفسه دون الوزير ، وعزم على هدم الكعبة ، وتسميتها خربة ، وأن يقتل رجالهم ، ويسبى نساءهم ، فأخذه اللَّه بالصّداع ، وتفجّر من عينيه وأذنيه ومنخريه وفمه ماء منتن ، فلم يصبر عنه أحد طرفة عين من نتن الريح ، فاستيقظ لذلك وقال لوزيره : اجمع العلماء والحكماء والأطبّاء وشاورهم في أمرى ، فاجتمع عنده الأطبّاء والعلماء والحكماء ، فلم يقدروا على المقام عنده ، ولم يمكنهم مداواته ، فقال : إني جمعت الأطبّاء والعلماء والحكماء من جميع البلدان ، وقد وقعت في هذه الحادثة ولم يقدروا على مداواتى ، فقالوا بأجمعهم : إنا نقدر على مداواة ما يعرض من أمور الأرض ، وهذا شئ من السماء لا نستطيع ردّ أمر السماء ، ثم اشتدّ أمره ، وتفرّق الناس عنه ، ولم يزل أمره في شدّة حتى أقبل الليل ، فجاء أحد العلماء إلى الوزير وقال : إن بيني وبينك سرا ، وهو إن كان الملك يصدقني في حديثه عالجته ، فاستبشر الوزير بذلك وأخذ بيده ، وحمله إلى الملك ، وأخبره بما قال الحكيم ، وما التمسه من صدق الملك ، حتى يعالج علَّته ، فاستبشر الملك بذلك ، وأذن له في الدّخول ، فلما دخل قال : أريد الخلوة ، فأخلى له المكان ، فقال : نويت لهذا البيت سوءا ؟ قال : نعم ؛ إني نويت خرابه ، وقتل

--> « 1 » في ثمرات الأوراق : « عماريا ، وقال كيف شاهدت هذه البلدة » . « 2 » في الأصل : « عربيون » ، والتصويب عن ثمرات الأوراق .