النويري

107

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأما ما جاء في كتب اللَّه السالفة ، فقد علمنا قطعا أن أهل الكتاب بدّلوا في كتب اللَّه تعالى المنزلة على أنبيائهم ، وحرّفوا كلمها عن مواضعه ، وحذّفوا منها أشياء فيها صريح ذكر رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بغيا منهم وحسدا وجحودا ونكالا وافتراء على اللَّه تعالى . هذا لا مرية عندنا فيه ولا خلاف ، وقد اتّفقوا على أشياء في كتبهم وترجموا عنها بالعربية ، تدل على نبوّة سيدنا محمد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، نحن نذكرها إن شاء اللَّه ، وكتموا فيها ما أخبر به من أسلم من أحبار يهود وغيرهم ، وعرض ذلك على من استمرّ على كفره ، فلم يسعه إنكاره بل أقرّبه ، على ما نذكر إن شاء اللَّه تعالى في مواضعه . فأما ما اتفقوا عليه مما جاء في التوراة وترجموه بالعربية ورضوا ترجمته فمن ذلك قوله : « جاء اللَّه من طور سيناء ، وأشرق لنا من ساعير ، واستعلن من جبال فاران » . وفى ترجمة « 1 » أخرى كذلك : « تجلى اللَّه من طور سيناء ، وأشرق من ساعير ، واستعلن من جبال فاران » . قال العلماء : وفى هذا تصريح بنبوّة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، لأن الطَّور « 2 » هو الجبل الذي اصطفى اللَّه تعالى موسى عليه بتكليمه ، وساعير : جبل بالشام منه ظهرت نبوّة عيسى بن مريم ، وبالقرب منه قرية الناصرة التي ولد فيها ، وفاران : هي مكة شرفها اللَّه تعالى .

--> « 1 » في معجم البلدان 6 : 323 : « وفى التوراة : جاء اللَّه من سينا ، وأشرق من ساعير ، واستعلن من فاران » ، فمجيئه من سيناء ، تكليمه لموسى ، وإشرافه من ساعير ( وهى جبال فلسطين معجم 5 : 10 ) : إنزاله الإنجيل على عيسى ، واستعلانه من جبال فاران : إنزاله القرآن على محمد صلى اللَّه عليه وسلم . وفاران : مكة . « 2 » في الأصل : « الطور وهو » . وانظر « خير البشر » لابن ظفر ص 9 .