النويري
43
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأجدبت النواحي ، وظلم الناس بعضهم بعضا ، ولم يكن أحد ينكر ذلك عليهم ، وسدّت الهياكل والبرابى ، وطيّنت أبوابها ، وجاءهم الطوفان وأقبل المطر عليهم ، وكان فرعان سكران فلم يقم إلَّا بخرير الماء ، فوثب مبادرا يريد [ الهرب « 1 » إلى ] الهرم فتخلخلت الأرض به ، وطلب الأبواب فخانته رجلاه وسقط على وجهه وجعل يخور كما يخور الثور ، إلى أن أهلكه اللَّه تعالى بالطوفان ، ومن دخل الأسراب منهم هلك بغمّها ، ولحق الماء من الأرض والأهرام إلى آخر التربيع ، وهو ظاهر عليها إلى الآن ، وانقرضت ملوك الدنيا أجمع بالطوفان ولم يسلم إلا أصحاب السفينة كما تقدّم . فعدّة من سمّى لنا من ملوك مصر قبل الطوفان على هذا السّياق تسعة عشر ملكا ، ثم ملكها بعد الطوفان من نذكره . ذكر من ملك مصر بعد الطوفان من الملوك قال إبراهيم بن القاسم الكاتب : قال إبراهيم بن وصيف شاه : أجمع أهل الأثر أنّ أوّل من ملك مصر بعد الطوفان مصريم بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام ، وذلك بدعوة سبقت له من جدّه . وكان السبب في ذلك أنّ فليمون الكاهن سأل نوحا عليه السلام أن يخلطه بأهله وولده وقال : يا نبىّ اللَّه ، إني قصدتك رغبة في الإيمان باللَّه سبحانه وتعالى وتصديقك يا نبىّ اللَّه ، وتركت وطنى وبلدى فاجعل لي رفعة وقدرا أذكر بهما من بعدى ، فزوّج نوح عليه السلام بيصر بن حام بنت فليمون الكاهن فولدت له ولدا سمّاه فليمون مصريم « 2 » باسم بلده ، فلمّا أراد نوح قسمة الأرض بين بنيه قال له فليمون : ابعث معي يا نبىّ اللَّه ابني حتى أمضى به إلى بلدي وأظهره على كنوزه وأوقفه على علومه ورموزه ، فأنفذه معه في جماعة من أهل بيته ، وكان
--> « 1 » التكملة من خطط المقريزي ( ج 3 ص 25 طبعة فييت ) . « 2 » في خطط المقريزي ( ج 1 ص 73 طبعة فييت ) : « مصرايم » .