النويري

37

نهاية الأرب في فنون الأدب

فطنوا به من قبل تلاميذه ؛ وذلك أن أحدهم لامه على فعله فانتهره ونفخ في وجهه فأظلم عليه بصره ، فجاء إلى وزير الملك وعرّفه القصّة فأنهاها إلى الملك ، فأمر الملك بإدخاله عليه فأدخل ، فسأله عن الخبر فعرّفه يفعل الساحر ، فأنفذ اليه جيشا ليأتوه به ، فلمّا نظر الساحر إلى القوم وقد أقبلوا دخّن دخنة أغشت أبصارهم وارتفعت منها عجاجة نار أحرقت وحالت بينه وبينهم ، فهالهم ذلك ، فرجعوا إلى الملك وعرّفوه ما جرى فأمر بجمع السحرة ، وكان من رسم السحرة أن يعاهدوا ملوكهم على أن يكونوا معهم ولا يخالفونهم ولا ينالهم منهم مكروه ولا يبغونهم الغوائل ، فمن فعل ذلك سلب علمه ، وكان للملك أن يسفك دمه ودم أهل بيته وولده ، وكانوا مع الملوك على هذه الحال يوفون بعهودهم . فلمّا اجتمع السحرة عند الملك أخبرهم خبر الساحر ، وكان يقال له : أختاليس ، وبما عمله وقال : تحضرونه إلىّ وإلَّا أهلكتكم ؛ فسألوه النّظرة « 1 » فأنظرهم ، فأخذوا أولادهم ونساءهم وخرجوا هاربين ، فلمّا خرجوا عنه تكلَّموا بينهم وقالوا : إنكم لتعرفون كثرة علم أختاليس وشدّة سحره ، وما نرى لنا به طاقة ، ومنقاوش الملك الذي نقض عهده وتعدّى عليه وأخذ امرأته غصبا ، فاحتالوا لخلاصكم منه ؛ فأجمعوا أنهم يصدقون الملك عن أنفسهم ، ويستأذنونه في الذهاب اليه ومداراته حتى يأتوه به بعد أن يأخذوا له أمانا منه ويجدّد العهد بينه وبينه . فمضوا إلى الملك وصدقوه عن أنفسهم ، فأجابهم إلى ما سألوه من ذلك ، ثم مضوا إلى أختاليس فلطفوا به ووعظوه إلى أن أجابهم إلى ما أرادوا ، فكتبوا إلى الملك بذلك ، فكتب للساحر أمانا وعهدا ، فرجع وردّت اليه امرأته ، فأكرمها وردّها إلى دار الملك ، وعرّفهم أنه لا يرى في ذمّته أن يلابس امرأة لابسها الملك على حال من الأحوال لما كانوا يراعونه من حقوق الملك ، فسرّ الناس بذلك وعجبوا من عقله

--> « 1 » النظرة : التأخير والإمهال في الأمر .