النويري

34

نهاية الأرب في فنون الأدب

ولنرجع إلى أخبار الملوك قال : وأقام سوريد في الملك مائة سنة وسبع سنين ، وقد كان منجّموه عرّفوه الوقت الذي يموت فيه واليوم والساعة ، فأوصى إلى ابنه هرجيب وعرّفه ما يعمل ، وأمره أن يدخل جسده الهرم ، وأن يجعله في الجرن الذي أعدّه لنفسه ويغشّيه بكافور ، ويحمل معه ما أعدّه من فاخر الثياب والسلاح والآلات ، فامتثل جميع ما أمره به . ولما مات ملك بعده ابنه هرجيب « 1 » بن سوريد فسار بستره أبيه في العدل والعمارة والرأفة بالناس ، فأحبّوه . وبنى الهرم الأوّل من أهرام دهشور وحمل اليه من المال والجوهر . وكان غرضه جمع المال وعمل الكيمياء واستخراج المعادن ودفن ما تهيّأ له من الكنوز في كل سنة . وكانت له ابنة أفسدت مع بعض خدمه فنفاها إلى ناحية الغرب ، وأمر أن تبنى لها مدينة هناك ويقام عليها علم ويزبر عليها اسمها ، وأسكن معها كل امرأة مسنّة من أهل بيته . قال : وشجّ رجلا فأمر بقطع أصابعه ، ووجد سارقا من العامّة فملَّك رقّه الذي سرق منه ، وعمل منارات ومصانع وطلَّسمات ، وملكهم نيّفا وسبعين سنة . وملك عليهم بعده ابنه منقاوش بن هرجيب وكان جبّارا أثيما فآذى الناس وسفك الدماء واغتصب النساء واستخرج كنوز آبائه ، وبنى قصورا بالذهب والفضة [ وأجرى « 2 » ] فيها الأنهار ، وجعل حصباءها من صنوف الجواهر ، وتخرّق « 3 » في الهبات وأغفل العمارات فأبغضه الناس ، وأباح أصحابه غصب نساء العامّة . وأطاف به أهل الشرّ من كل ناحية ، وكان يفترع النساء قبل أزواجهنّ ، وامتنع عليه قوم

--> « 1 » في خطط المقريزي : « هوجيت » . « 2 » التكملة من خطط المقريزي . « 3 » تخرّق في الهبات : توسع فيها .