النويري

31

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال : وفى بعض مصاحف القبط أن سوريد الملك لما أخبره كهنته بخبر النار المحرقة وأنها تخرج من برج الأسد فتحرق العالم ، عمل في الأهرام مسارب موّجهة إلى آزاج ضيّقة تجتلب الرياح إلى داخل بصوت هائل . وعمل فيها مسارب يدخل منها ماء النيل إلى مكان ينتهى إلى موضع من أرض الغرب وأرض الصعيد ، وملأ تلك الأسراب عجائب وطلَّسمات وأصناما تنطق . قال : وحكى بعض القبط أن سوريد لمّا أخبره منجّموه قال : انظروا لبلدنا هذا هل تلحقه آفة ؟ فنظروا فقالوا : يلحقه طوفان ويلحقه خراب يقيم فيه عدّة سنين وتغلب عليها التنانين . قال : كيف يكون خرابها ؟ قالوا : يقصدها ملك فيقتل أهلها ويغنم مالها ويهدم مصانعها . قال : ثم ماذا ؟ قالوا : ثم تكون عمارتها من قبله . قال : ثم ماذا ؟ قالوا : ثم يقصدها قوم مشوّهون من ناحية مصبّ النيل فيأتون على أكثرها . قال : ثم ماذا ؟ قالوا : ثم ينقطع نيلها ويجلو أهلها عنها ؛ فأمر أن يكتب جميع ذلك على الأهرام . قال : وذكر رجل من أهل الغرب ممن يختلف إلى ألواح ويحمل الشّمار « 1 » على جمل له أنه بات في بعض الليالي قرب الهرم فما زال يسمع الضوضاء والعطعطة فهاله ذلك وتباعد عنه بجمله ، وكان يرى حول الهرم شبه النيران تأتلق ، فلم يزل مرعوبا إلى أن سرقته عيناه فنام وأصبح وهو في الموضع الذي جمع منه الشّمار وشماره موضوع بحاله ، فتعجّب من ذلك وشدّ شماره على جمله ورجع إلى الفسطاط وآلى على نفسه ألَّا يقرب من الهرم بعد ذلك .

--> « 1 » الشمار : هو الرازيانج تعريب رازيانه وهو الأنيسون ، وأنواعه ثلاثة : بستاني وبرى وشامى . وهو نبات بزره حرّيف مرّ .