النويري

15

نهاية الأرب في فنون الأدب

على الشام ، وأراد أن يزحف إلى مصر ، فعرف أنه لا يصل إليها لسحر أهلها ، فأراد أن يدخلها متنكَّرا ليقف على أحوالها ، فخرج في نفر حتى بلغ الحصن الذي كانوا بنوه على مصر . فسألهم الحرس الموكَّلون به عن أمرهم ، فعرّفوهم أنهم قصدوا بلدهم ليسكنوه ، فحبسوهم وطالعوا الملك بخبرهم . وكان الملك قد رأى في منامه كأنه قائم على منار لهم عال ، وكأن طائرا عظيما انقضّ عليه ليختطفه ، فحاد عنه حتى كاد يسقط عن المنارة فجاوزه ولم يضرّه ، فانتبه مرعوبا ، وبعث إلى رأس الكهنة فقصّ عليه رؤياه ، فعرّفه أن ملكا يطلب ملكه فلا يصل اليه . فنظر في علمه فرأى أنه قد دخل بلده . فلما وردت الرسل بذكر القوم علم أن الملك فيهم ؛ فوجّه جماعة من أصحابه فاستوثقوا منهم وحملوهم اليه ، وقد كان أمرهم أن يطوفوا بهم في أعمال مصر كلها ليروا ما فيها من الطَّلَّسمات والأصنام المتحرّكات والعجائب المعجزات ، فبلغوا بهم إلى الإسكندرية ، ثم ساروا بهم إلى أمسوس وطيف بهم على عجائبها . ثم سير بهم إلى الجنّة التي عملها مصرام ، وكان الملك مقيما بها وأمر السحرة بإظهار التهاويل والتخاييل ، فجعلوا يتعجّبون مما رأوا إلى أن وصلوا إلى شرناق الملك والكهنة حوله وقد أظهروا صنوف العجائب ، وجعلوا بين يدي الملك نارا عظيمة لا يصل اليه إلا من خاضها ولا تضرّ إلا من أضمر للملك غائلة ، وأمر بدخولها ، فشقّوها واحدا واحدا لم ينلهم منها أذّى ، وكان الملك آخرهم ، فلمّا دنا من النار أخذته فولَّى هاربا . فأتى به شرناق فسأله عن أمره فأقرّ ، فأمر بقتله على أسطوانة عند باب الحصن من ناحية الشام ، فقتل وزبر عليه : هذا فلان المتغلَّب على الشام أضمر غائلة الملك ، طلب ما لا يصل اليه فعوقب بهذا . وأمر بإخراج الباقين من بلاده فأخرجوا . وقيل لهم : قد وجب عليكم القتل لصحبتكم من أراد الفساد في الأرض ، ولكنّ الملك عفا عنكم . فكانوا لا يمرّون على أحد إلَّا حدّثوه بما رأوا من العجائب ، فانقطعت أطماع الملوك عن