النويري

12

نهاية الأرب في فنون الأدب

من عمل ذلك . وخرج متنكَّرا يشقّ الأمم إلى أن بلغ بابل ، ورأى ما عمل الملوك من العجائب . وعلم حال ملكها في الوقت وسيرته ومجاري أموره . ويقال : إنّ نوحا عليه السلام ولد في وقته . قال : وولد لهرصال عشرون ولدا ، جعل مع كل ولد منهم قاطرا « 1 » وهو رأس الكهنة . وتزعم القبط أنه بعد مائة وسبع وعشرين سنة من ملكه لزم الهياكل وتعبّد للكواكب فأخفته عن أعين الناس . وأقام بنوه على حالهم كل واحد منهم في قسمه الذي أعطاه إياه يدبّره ولا يشركه فيه غيره . وأمور الناس جارية على سداد ، فأقاموا كذلك سبع سنين . ثم وقع بين الإخوة تشاجر ، واجتمع رأى الكهنة على أن يجعلوا أحدهم ملكا ، ويقيم كل واحد منهم في قسمه . فاجتمعوا في ذلك اليوم في دار المملكة ، وقام رأس الكهّان فتكلَّم وذكر هرصال وسعادة أيامه وما شملهم فيها من الخير ، وأخبر بما رأته الجماعة من تقليد أحدهم الملك . فإن كان هرصال لم يمت ورجع إليهم لم ينكر ما فعلوه لأنهم أرادوا بذلك حفظ ملكه ، وإن لم يرجع كان الأمر قد جرى على ما سلف من قيام ملك بعد ملك فاجتمع رأيهم على أكبر ولده وهو : ندسان « 2 » بن هرصال . فملك وسار سيرة أبيه وحمد الناس أمره . وعمل قصرا من خشب ونقشه بأحسن النقوش ، وصوّر فيه صور الكواكب ونجّده بالفرش وحمله على الماء وكان يتنزّه فيه . فبينما هو فيه إذ زاد النيل زيادة عظيمة وهبّت ريح عاصف فانكسر القصر وغرق الملك . وكان قد نفى إخوته إلى المدائن

--> « 1 » في المقريزي : « ناظرا » . « 2 » في المقريزي ( ج 3 ص 15 طبعة فييت ) وحسن المحاضرة للسيوطي ( ج 1 ص 19 ) « قدرسان » وعبارة المقريزي : « وكان اسمه قدرشان وقيل قدرسان » . وفى صبح الأعشى ( ج 3 ص 411 ) : « بدرسان » .