النويري

8

نهاية الأرب في فنون الأدب

الطَّلَّسمات الصادقة ، وأقمت الصّور الناطقة ، ونصبت الأعلام الهائلة على البحار السائلة ، ليعلم من بعدى أنه لا يملك أحد ملكي ، وكل ذلك في أوقات السعادة . وكان قد عمل في جنّته شجرة مولدة يؤكل منها جميع الفواكه ، وقبّة من زجاج أحمر على رأسها صنم يدور مع الشمس ، ووكَّل بها شياطين إذا اختلط الظلام نادوا : لا يخرج أحد من منزله حتى يصبح وإلَّا هلك ، وكان أوّل من عمل له ذلك . وأمرهم أن يجتمعوا له ، وجلس لهم في مجلس عال مزيّن بأصناف الزينة وتجلَّى لهم في صورة هالتهم وملأت قلوبهم رعبا ، فخرّوا على وجوههم ودعوا له . فأمر بإحضار الطعام والشراب فأكلوا وشربوا ورجعوا إلى مواضعهم ثم لم يروه بعد . وبلغ بكهانته ما لم يبلغه أحد من آبائه . ثم ملك بعده عنقام « 1 » الكاهن ؛ فعدل فيهم ، وعمل مدينة عجيبة قرب العريش جعلها لهم حرسا . وقيل : إنّ إدريس عليه السلام رفع في زمانه . قال : ويحكى عنه أهل مصر حكايات كثيرة تخرج عن العقول . وكان قد رأى في علمه كون الطوفان ، فأمر الشياطين التي تصحبه أن تبنى له مكانا خلف خطَّ الاستواء بحيث لا يلحقه الفساد ، فبنى له القصر الذي في سفح جبل القمر ، وهو قصر النحاس الذي فيه التماثيل ، وهى خمسة وثمانون تمثالا ، يخرج ماء النيل من حلوقها وينصبّ إلى بطيحة . ولمّا عمل له ذلك القصر أحبّ أن يراه قبل أن يسكنه ، فجلس في قبتّه وحملته الشياطين على أعناقها اليه . فلمّا رأى حكمة بنيانه وزخرفة حيطانه وما فيه من النقوش وصور الأفلاك والكواكب ، وغير ذلك من صنوف العجائب - وكان يسرج بغير مصابيح ، وتنصب فيه موائد يوجد عليها من كل الأطعمة ولا يدرى من يعملها ، وكذلك الأشربة في أوان ، يستعمل منها ولا تنقص . وفى وسطه [ بركة « 2 » ]

--> « 1 » ضبط هكذا بالقلم في نسخة ب . « 2 » زيادة عن المقريزي ( ج 3 ص 12 طبعة فييت ) .