النويري

56

نهاية الأرب في فنون الأدب

تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبّح . ثم قال في نفسه ليلة من الليالي : لأعبدنّ اللَّه عبادة لم يعبد مثلها ، فصعد الجبل ، فلمّا كان في جوف الليل وهو على جبل داخلته وحشة ، فأوحى اللَّه إلى الجبال : أن آنسى داود ، فاصطكَّت الجبال بالتسبيح والتهليل . فقال داود في نفسه : كيف يسمع صوتي مع هذه الأصوات ؟ فهبط عليه ملك وأخذ بعضده حتى انتهى به إلى البحر ، فوكزه برجله فانفرج له البحر ، فانتهى إلى الأرض فوكزها برجله فانفرجت له الأرض ، حتى انتهى إلى الحوت فوكزه برجله ، فانتهى إلى الصخرة ، فوكز الصخرة برجله ، فانفلقت فخرجت منها دودة تنشّ « 1 » ، فقال : إن اللَّه تعالى يسمع نشيش هذه الدودة في هذا الموضع . قال ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - : كان داود يفهم تسبيح الحجر والشجر والمدر . ومنها : أن اللَّه تعالى أكرمه بالحكمة وفصل الخطاب . قالوا : والحكمة : الإصابة في الأمور . واختلفوا في فصل الخطاب ، قال ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - : بيان الكلام . وقال ابن مسعود والحسن : المعنى علم الحكم والنظر في القضاء ، كان لا يتتعتع « 2 » في القضاء بين الناس . وقال علىّ بن أبي طالب - رضى اللَّه عنه - : هو البيّنة على المدّعى واليمين على المدّعى عليه . وقال كعب : الشهود والأيمان . وقال الشعبىّ : سمعت زيادا يقول : فصل الخطاب الذي أعطى داود : أمّا بعد . قال الأستاذ : وهو أوّل من قالها . ومنها : السلسلة التي أعطاه اللَّه إيّاها ، ليعرف المحقّ من المبطل في المحاكمة إليه . قال الثعلبىّ : روى الضحّاك عن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - قال : إنّ اللَّه تعالى أعطى داود سلسلة موصولة بالمجرّة والفلك ، ورأسها عند محراب داود

--> « 1 » تنش : تصوّت . « 2 » يتتعتع : يتردّد .