النويري

46

نهاية الأرب في فنون الأدب

أصغرهم ، فأتاه ذات يوم فقال : يا أبتاه ، ما أرمى بقذّافتى « 1 » شيئا إلَّا صرعته . فقال : أبشر يا بنىّ فإن اللَّه - عزّ وجل - جعل رزقك في قذّافتك ؛ ثم أتاه مرّة أخرى فقال : يا أبتاه ، لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا ، فركبته وأخذت بأذنيه فلم يهجنى « 2 » ، فقال : أبشر يا بنىّ فإنّ هذا خير يريده اللَّه بك . ثم أتاه يوما آخر فقال : يا أبتاه ، إني لأمشى بين الجبال فأسبّح فما يبقى جبل إلَّا سبّح معي . فقال : أبشر يا بنىّ فإنّ هذا خير أعطاكه اللَّه عزّ وجل . قالوا : فأرسل جالوت إلى طالوت ، أن ابرز إلىّ أو أبرز إلىّ من يقاتلني ، فإن قتلني فلكم ملكي ، وإن قتلته فلى ملككم . فشقّ ذلك على طالوت ، فنادى في عسكره : من قتل جالوت زوّجته ابنتي وناصفته ملكي . فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد ؛ فسأل طالوت نبيّهم - عليه السلام - أن يدعو ، فدعا اللَّه - عزّ وجل - في ذلك ، فأتى بقرن فيه دهن القدس ، وتنّور من حديد ، فقيل له : إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه فيغلى الدّهن ثم يدهن به رأسه ولا يسيل على وجهه ، يكون على رأسه كهيئة الإكليل ، ويدخل في هذا التنّور فيملأه لا يتقلقل فيه ؛ فدعا طالوت بني إسرائيل ، فجرّبهم فلم يوافقه منهم أحد ، فأوحى اللَّه - عزّ وجل - إلى نبيّهم أن في ولد إيشى من يقتل اللَّه به جالوت ، فدعا طالوت إيشى وقال له : اعرض علىّ بنيك . فأخرج له اثنى عشر رجلا أمثال السواري ، وفيهم رجل فارع عليهم ؛ فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا ، فيقول لذلك الجسيم : ارجع فيردّده على التنّور . فأوحى اللَّه - عزّ وجل - إليه : إنّا لا نأخذ الرجال على صورهم ، ولكنّا نأخذهم على صلاح قلوبهم . فقال لإيشى :

--> « 1 » القذافة : المقلاع . « 2 » لم يهجه : لم يزعجه ولم ينفره .