النويري
40
نهاية الأرب في فنون الأدب
لا يفتحه إلا نبىّ ، فادفعه لابن عمّك يعقوب إسرائيل اللَّه ؛ فحمل قيذار التابوت على عنقه وخرج يريد أرض كنعان وكان بها يعقوب - عليه السلام - فلمّا قرب منه صرّ التابوت صرّة سمعها يعقوب ، فقال لبنيه : أقسم باللَّه لقد جاءكم قيذار بالتابوت فقوموا نحوه . فقام يعقوب وأولاده جميعا إليه ، فلمّا نظر يعقوب إلى قيذار استعبر باكيا وقال : يا قيذار ، مالي أرادك متغيّرا وقوّتك ضعيفة ، أرهقك عدوّ أم أتيت معصية بعد أبيك إسماعيل ؟ قال : ما رهقنى عدوّ ولا أتيت معصية ولكن نقل من ظهري نور محمد ، فلذلك تغيّر لونى وضعف ركنى ، قال : أفي بنات إسحاق ؟ قال : لا ، في العربيّة الجرهميّة ، وهى العامريّة ، فقال يعقوب : بخ بخ ! شرفا لمحمد ، لم يكن اللَّه - عزّ وجل - ليجريه إلا في العربيّات الطاهرات يا قيذار ، وأنا مبشّرك ببشارة . قال : وما هي ؟ قال : اعلم أن العامريّة قد ولدت لك البارحة غلاما . قال قيذار : وما علَّمك يا بن عمّى وأنت بأرض الشأم وهى بأرض الحرم ؟ قال يعقوب : علمت ذلك لأنى رأيت أبواب السماء قد فتحت ، ورأيت نورا كالقمر الممدود بين السماء والأرض ، ورأيت الملائكة ينزلون من السماء بالبركات والرحمة ، فعلمت أنّ ذلك من أجل محمد - صلى اللَّه عليه وسلَّم - فسلم قيذار التابوت إلى يعقوب ورجع إلى أهله ، فوجدها قد ولدت غلاما ، فسمّاه « حملا » وفيه نور محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . قالوا : وكان التابوت في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى - عليه السلام - فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه ، وكان عنده إلى أن مات ، ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل إلى وقت أشمويل ، وكان فيه ما ذكر اللَّه تعالى * ( فِيه سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) * .