النويري
34
نهاية الأرب في فنون الأدب
وهو نائم إلى جنب عيلى الكاهن ، وعيلى لا يأمن عليه أحدا ، فدعاه بلحن الشيخ : يا أشمويل ، فقام فزعا إلى الشيخ فقال : يا أبتاه ، دعوتني ؟ فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام ؛ فقال : يا بنىّ ارجع . فرجع فنام ، ثم دعاه ثانيا ، فأتاه فقال : أدعوتنى ؟ فقال الشيخ : ما شأنك ؟ فقال : أما دعوتني ؟ قال : لا . قال أشمويل : فإني سمعت صوتا في البيت ، وليس فيه غيرنا . فقال : ارجع فتوضّأ وصلّ ، فإذا دعيت باسمك فأجب وقل : لبّيك ، أنا طوعك ، فمرنى أفعل ما تأمرني . ففعل الغلام ذلك ، فنودي الثالثة ، فقال : لبّيك أنا طوعك ، فمرنى أفعل ما تأمرني . فظهر له جبريل وقال : اذهب إلى قومك فبلَّغهم رسالة ربّك ، فإنّ اللَّه تعالى قد بعثك إليهم نبيّا ، وإن اللَّه تعالى ذرأك يوم ذرأك [ للنبوة « 1 » ] ورحم وحدة أمّك في ذلك اليوم الذي تاهت عليها ضرّتها ، ولا أحد اليوم أشدّ عضدا « 2 » ولا أطيب ولادة منك ، فانطلق إلى عيلى [ فقل له « 3 » ] إنك كنت خليفة اللَّه على عباده ، فبقيت زمانا تأمر بأمره ، وحاكما بكتابه ، وحافظا لحدوده ؛ فلمّا امتدّ سنّك ، ودقّ عظمك ، وذهبت قوتّك ، وفنى عمرك ، وقرب أجلك ؛ وصرت أفقر ما تكون إلى اللَّه تعالى ، ولم تزل فقيرا إليه ، عطَّلت الحدود ، وعملت بالرّشا ، وأضعت حكومات الخلق ، حتى عزّ الباطل وأهله ، وذلّ الحقّ وحزبه ، وظهر المكر ، وخفى المعروف ، وفشا الكذب ، وقلّ الصدق ، وما اللَّه عاهدك على هذا . ولا عليه استخلفك ، فبئس ما ختمت به عملك ، واللَّه لا يحبّ الخائنين . فبلَّغه هذه الرسالة ، وقم بعده بالخلافة ؛ فلمّا بلَّغ أشمويل عيلى هذه الرسالة فزع وجزع .
--> « 1 » التكلمة عن قصص الأنبياء للثعلبي . « 2 » عبارة الثعلبي في قصص الأنبياء : « فلا أحد اليوم أشدّ منها عضدا ولا ملاذا » . « 3 » التكلمة عن قصص الأنبياء للثعلبي .