النويري

21

نهاية الأرب في فنون الأدب

السلام - مقالتهم وقعت بقلبه وطمع في إيمانهم وخاف اللَّه تعالى وأشفق من سخطه إن هو لم يظهر لهم ولم يجبهم بعد الذي سمع منهم . فلمّا أجمع على أن يبرز لهم رجع إلى نفسه فقال : لو أنّى دعوت اللَّه - عزّ وجلّ - وسألته أن يعلمني ما في أنفسهم ويطلعنى على حقيقة أمرهم . فقال : اللهمّ إن كانوا صادقين فيما يقولون فأذن لي في البروز إليهم ، وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرقهم . فما استتمّ قوله حتى حصبوا « 1 » بالنار من فوقهم ، فاحترقوا أجمعين . قال : وبلغ آجاب الخبر فلم يرتدع ، واحتال ثانيا في أمر إلياس ، وجهّز فئة أخرى مثل عدد أولئك أقوى منهم وأمكن في الحيلة والرأي ، فأقبلوا حتى ارتقوا قلل تلك الجبال [ متفرقين « 2 » ] ، وجعلوا ينادون : يا نبىّ اللَّه ، إنّا نعوذ باللَّه وبك من غضب اللَّه وسطواته . إنّا لسنا كالذين أتوك من قبلنا ، إنّ أولئك فرقة نافقت وخالفتنا ، فصاروا إليك ليكيدوك « 3 » من غير رأينا ولا علم منّا ، وذلك أنهم حسدونا وحسدوك ، وخرجوا إليك سرّا ، ولو علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤنتهم ، والان فقد كفاك ربّك أمرهم وأهلكهم بسوء نيّاتهم وانتقم لنا ولك منهم . فلمّا سمع إلياس - عليه السلام - مقالتهم دعا اللَّه تعالى بدعوته الأولى ، فأمطر اللَّه عليهم النار ، فاحترقوا عن آخرهم ، كلّ ذلك وابن الملك في البلاء الشديد من وجعه - كما وعده اللَّه تعالى على لسان نبيّه إلياس - لا يقضى عليه فيموت ، ولا يخفّف عنه من عذابه . قال : فلمّا سمع الملك بهلاك أصحابه ثانيا ازداد غضبا إلى غضبه ، وأراد أن يخرج « 4 » في طلب إلياس بنفسه ، إلَّا أنه شغله عن ذلك مرض ابنه فلم يمكنه ، فوجّه نحو إلياس الكاتب المؤمن الذي هو كاتب امرأته رجاء أن يأنس به إلياس فينزل

--> « 1 » حصبوا بالنار : رموا بها . « 2 » زيادة عن قصص الأنبياء للثعلبي . « 3 » في قصص الأنبياء للثعلبي : « ليمكروا بك » . « 4 » كذا في قصص الأنبياء للثعلبي . وفى الأصل : « إلى طلب إلياس » .