النويري

56

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال : ولم يزل هود فيهم يحذرهم وينذرهم العذاب سبعين عاما ؛ فلما رأى أنهم لا يؤمنون دعا اللَّه تعالى أن يبتليهم بالقحط ، فإن آمنوا وإلَّا يهلكهم بعذاب لم يهلك به أحدا قبلهم ولا بعدهم ؛ فاستجاب اللَّه تعالى دعوته ، وأمره باعتزالهم بمن معه من المؤمنين ، فآعتزلهم فأمسك اللَّه عنهم المطر ، وأجدبت الأرض ولم تنبت ومات عامّة المواشي ؛ فصبروا على ذلك أربع سنين حتى يئسوا من أنفسهم ، وهمّوا أن يؤمنوا ؛ فنهاهم الملك عن ذلك وصبّرهم ؛ فأجمعوا رأيهم أن يبعثوا رجالا منهم إلى الحرم يستسقون لهم ؛ واللَّه الفعّال . ذكر خبر وفد عاد إلى الحرم يستسقون لهم قال وهب : فجمعوا الهدايا ، واختاروا سبعين رجلا من أشرافهم ، وجعلوا لكلّ عشرة منهم رئيسا ، من جملتهم مرثد المؤمن ؛ فسار وهو يدعو عليهم ؛ فلما أشرفوا على الحرم إذا بهاتف يقول : قبّح اللَّه قوم عاد وذلَّوا إنّ عادا أشرّ أهل الجحيم سيّروا الوفد كي يسقوا غياثا فسيسقون من شراب الحميم فدخلوا الحرم والملك يومئذ معاوية بن بكر ، وكانوا أخواله ، فسألهم عما جاء بهم فأخبروه بخبر هود وبما حلّ بعاد ، وأنّهم قد لجأوا إلى الحرم للاستسقاء ؛ فأنزلهم معاوية في منزل الضيافة ، وأطعمهم وسقاهم شهرا ؛ فشغلهم اللهو عن الاستسقاء ؛ فبلغ الملك ( الخلجان ) ذلك ، فبعث إلى معاوية يسأله أن يأمرهم بالاستسقاء ، فكره مواجهتهم بذلك فيقولون : « قد تبرّم بضيافتنا » فدعا بالجرادتين - وهما قينتان لمعاوية - فقال لهما : إذا شرب القوم ودبّ فيهم الشراب فغنيّاهم بهذه الأبيات ، وهى : بأبى من خلق الخل ق بنى سام وحام سادة سادوا جميع ال خلق في الخلق التّمام