النويري

2

نهاية الأرب في فنون الأدب

على ما أولاه من نعمه ورزقه من نواله ، وينفق مما آتاه اللَّه إذا علم أنه لابدّ من زواله وانتقاله ؛ والفقير يرغب في الزهد لعلمه أن الدنيا لا تدوم ، ولتيقّنه أن سعتها بضيقها لا تقوم . ومن عدا هؤلاء يسمعه على سبيل المسامره ، ووجه المحاضرة والمذاكره ؛ والرغبة في الاطلاع على أخبار الأمم ، ومعرفة أيام العرب وحروب العجم . فقد تبيّن بهذه المقدّمة تعويل الأمر عليه ، وميل المرء إليه . وسأورد إن شاء اللَّه في هذا الفنّ جملا من تواريخ الأمم السالفة والعصور الخالية ، وأطرّزه من القصص والسّير بما تصبح به صفحات الطروس حاليه . ولمّا رأيت غالب من أرّخ في الملة الإسلامية وضع التاريخ على حكم السنين ومساقها ، لا الدّول واتّساقها ؛ علمت أن ذلك ربما قطع على المطالع لذّة واقعة استحلاها ، وقضيّة استجلاها ؛ فانقضت أخبار السنة ولا استوعب تكملة فصولها ولا انتهى إلى جملتها وتفصيلها ؛ وانتقل المؤرّخ بدخول السنة التي تليها من تلك الوقائع وأخبارها ، والممالك وآثارها ، والدولة وسيرها ، والحالة وخبرها ؛ فتنقّل من الشرق إلى الغرب ، وعدل عن السّلم إلى الحرب ؛ وعطف من الجنوب إلى الشمال وتحوّل من البكر إلى الآصال ؛ وقد تجول به خيل الاستطراد فيبعد ، وتحول بينه وبين مقصده السّنون فيغور « 1 » تارة وتارة ينجد ، فلا يرجع المطالع إلى ما كان قد أهمّه إلَّا بعد مشقّة ، وقد يعدل عنه إذا طالت المسافة وبعدت عليه الشّقّة . فاخترت أن أقيم التاريخ دولا ، ولا أبغى عن دولة إذا شرعت فيها حولا ؛ حتى أسردها من أوائلها إلى أواخرها ، وأذكر جملا من وقائعها ومآثرها ؛ وسياقة أخبار ملوكها ، ونظم عقود سلوكها ؛ ومقرّ ممالكها ، وتشعّب مسالكها .

--> « 1 » « يغور وينجد » ، أي ينخفض ويرتفع . والغور بفتح أوّله : ما انخفض من الأرض . والنجد : ما ارتفع منها ؛ وهما في هذا الموضع على سبيل الاستعارة .