النويري

47

نهاية الأرب في فنون الأدب

نوح - وكانت يومئذ في مسجد الكوفة - فلمّا رجع من حجّه نزلت السفينة من الهواء ، ثم أوحى اللَّه إليه : أن قد دنا هلاك قومك * ( فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْه الْقَوْلُ مِنْهُمْ ) * . ثم أمره اللَّه تعالى أن ينادى في الوحش والسباع والطير والهوامّ والأنعام ؛ فوقف على سطح منزله ، ونادى : « هلمّوا إلى السفينة المنجّية » . فمرّت دعوته إلى الشرق والغرب والبعد والقرب ، فأقبلت إليه أفواجا . فقال : إنّما أمرت أن أحمل من كلّ زوجين اثنين ؛ فأقرع بينهم ، فأصابت القرعة من أذن اللَّه في حمله ، وكان معه من بني آدم ثمانون إنسانا بين رجل وامرأة ؛ فلما كان في مستهلّ شهر رجب نودي من التنّور وقت الظهر : قم يا نوح فاحمل في سفينتك من كلّ زوجين اثنين من الذكر زوجا ومن الأنثى زوجا ، فحملهم . وكان معه جسد آدم وحوّاء ؛ وتباطأ عليهم الحمار في صعوده ، لأن إبليس تعلَّق بذنبه ؛ فقال نوح بالنبطيّة : على سيطان ، يعنى ادخل يا شيطان ؛ فدخل ومعه إبليس فرآه نوح فقال : يا ملعون ، من أدخلك ؟ قال : أنت حيث قلت : على سيطان : فعاهده ألا يغوى أهل السفينة ما داموا فيها ؛ ثم أوحى اللَّه إلى جبريل أن يأمر خزنة الماء أن يرسلوه بغير كيل ولا مقدار وأن تضرب المياه بجناح الغضب . ففعل ذلك ، ونبعت العيون ، وهطلت السماء * ( ( فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ) ) * وكان ماء السماء أخضر ، وماء الأرض أصفر ؛ وأمر اللَّه الملائكة أن يحملوا البيت إلى سماء الدنيا ؛ وكان الحجر يومئذ أشدّ بياضا من الثلج ؛ فيقال إنه اسودّ من خوف الطَّوفان ؛ وقال نوح عند ركوبه السفينة ما أخبرنا اللَّه عنه في كتابه العزيز : * ( وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ الله مَجْراها ومُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَه وكانَ