النويري

45

نهاية الأرب في فنون الأدب

عليه التراب ويقولون : إليك عنا يا ساحر يا كذّاب . ويضعون أصابعهم في آذانهم ؛ فينصرف عنهم ويعود إليهم ، وإذا خلا بالرجل منهم دعاه ، وهم لا يزدادون إلَّا عتوّا وتمرّدا واستكبارا ، وذلك قوله تعالى : * ( قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وأَصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ) * الآيات . ثم دعاهم حتى استكمل ستّة قرون ؛ فلمّا دخل القرن السابع مات ملكهم ( بولين ) واستخلف عليهم ابنه ( طفردوس ) - وكان على عتوّ أبيه - وكان نوح يأتي أصنامهم بالليل وينادى بأعلى صوته : يا قوم ، قولوا ( لا إله إلا اللَّه ، وإني نوح رسول اللَّه ) . فتنكَّس الأصنام ؛ وكانوا يضربون نوحا ضربا شديدا ، ويدوسون بطنه حتى يخرج الدم من أنفه وأذنيه ؛ وكان الرجل منهم عند وفاته يوصى أولاده ويأخذ عليهم العهد ألا يؤمنوا به ؛ ويأتي الرجل بابنه إلى نوح ويقول : يا بنىّ انظر إلى هذا فإنّ أبى حملني إليه وحذّرنى منه ، فاحذره أن يزيلك عمّا أنت عليه فإنّه ساحر كذّاب . وهو بعد ذلك يدعوهم ؛ فضجّت الأرض إلى ربّها وقالت : ما حلمك على هؤلاء ؟ وضجّ كلّ شئ إلى ربّه من عتوّهم ، ونوح يدعوهم ويذكَّرهم بآيات اللَّه ؛ فلمّا كان في بعض الأيّام إذا هو برجل من كبار قومه قد أقبل بولده يحذّره منه ؛ فضرب الغلام بيده إلى كفّ تراب وضرب به وجه نوح ، فعند ذلك قال نوح ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا إنّك إن تذرهم يضلَّوا عبادك ولا يلدوا إلَّا فاجرا كفّارا . فأمّنت الملائكة على دعوته ، فمنع اللَّه عنهم القطر والنبات ؛ فعلم نوح أنّ اللَّه مهلك قومه ؛ فأحبّ أن يؤمن بعضهم إن لم يؤمنوا كلَّهم ؛ فأوحى اللَّه تعالى