النويري

40

نهاية الأرب في فنون الأدب

مرّتين ، فاذهب . فرجع ملك الموت إلى ربّه عزّ وجلّ وقال : إلهي قد علمت ما قال إدريس . قال اللَّه تعالى : إنه حاجّك بكلامي ، فذره في جنتي . فذلك قوله تعالى : * ( واذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّه كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا ورَفَعْناه مَكاناً عَلِيًّا ) * . هذا ما أورده الكسائىّ - رحمه اللَّه - في كتاب المبتدأ « 1 » . ونقل الشيخ أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبىّ - رحمه اللَّه - في كتابه المترجم ( بيواقيت البيان في قصص القرآن ) وفى تفسيره أيضا في سبب رفع إدريس عليه السلام ، قال : وكان سبب رفعه على ما قال ابن عبّاس - رضى اللَّه عنهما - وأكثر الناس : أنه سار ذات يوم فأصابه وهج الشمس ، فقال : يا رب إني مشيت يوما فتأذّيت منها ، فكيف من يحملها خمسمائة عام في يوم واحد ؟ ! اللهم خفّف عنه من ثقلها ، واحمل عنه حرّها . فلمّا أصبح الملك وجد من خفّة الشمس وخفّة حرّها ما لا يعرف ؛ فقال : يا رب ، خلقتني لحمل الشمس ، فما الَّذى قضيت فىّ ؟ فقال : أما إنّ عبدي إدريس سألني أن أخفّف عنك ثقلها وحرّها ، فأجبته . قال : يا ربّ اجمع بيني وبينه ، واجعل بيني وبينه خلَّة . فأذن اللَّه تعالى له ؛ فأتى إدريس حتى إنّ إدريس ليسأله ، فكان ممّا سأله أن قال : أخبرت أنّك أكرم الملائكة عند ملك الموت وأمكنهم عنده ، فاشفع لي إليه أن يؤخّر أجلى فأزداد شكرا وعبادة . فقال الملك : لا يؤخّر اللَّه نفسا إذا جاء أجلها . قال إدريس : قد علمت ذلك ، ولكنّه أطيب لنفسي . قال : نعم أنا مكلَّمه لك ، فما كان يستطيع أن يفعل لأحد من بني آدم فهو فاعله لك . ثم حمله ملك الشمس على جناحه ، فرفعه إلى السماء

--> « 1 » كتاب الكسائي الموجود بدار الكتب المصرية غير مكتوب عليه هذا العنوان المذكور ، بل كتب على إحدى نسختيه ( كتاب العرائس قصص الأنبياء ) وعلى نسخة أخرى ( قصص الأنبياء ) . وهو هذا الكتاب نفسه الذي ذكره المؤلف ، وهذا الاختلاف في التسمية إنما وقع من النساخ .