النويري

17

نهاية الأرب في فنون الأدب

حوّاء فوقفت بالبعد منه ونادته : من أنت أيها الشخص ؟ قال : خلق من خلق اللَّه ، خلقني من ناركما تريننى ، وأنا في هذه الجنة منذ ألفي عام ، خلقني كما خلقكما بيده ، ونفخ فىّ من روحه ، وأسجد لي ملائكته ، وأسكننى جنّته ، ونهاني عن أكل هذه الشجرة ، فكنت لا آكل منها ، حتى نصحني بعض الملائكة وقال لي : كل منها ، فإنّ من أكل منها كان مخلَّدا في الجنّة أبدا . فأكلت منها ، فأنا في الجنة إلى وقتي هذا ، قد أمنت الهرم والسقم والموت والخروج من الجنّة . ثم قال : واللَّه * ( ( ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِه الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ ) ) * ثم نادى : يا حوّاء اسبقى وكلي قبل زوجك ، فمن سبق كان له الفضل على صاحبه . فأقبلت حوّاء إلى آدم وهى مستبشرة فرحة ، فأخبرته بخبر الحيّة والشخص ، وأنه قد حلف لها بأنّه لها لمن الناصحين ، فذلك قوله تعالى : * ( ( وقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) ) * ؛ وتقدّمت حوّاء إلى الشجرة ولها أغصان لا تحصى ، وعلى الأغصان سنابل ، كل حبة منها مثل قلال هجر « 1 » ، ولها رائحة كالمسك ، أبيض من اللبن وأحلى من العسل ؛ فأخذت منها سبع سنابل من سبعة أغصان ، فأكلت واحدة وادّخرت واحدة ، وجاءت بخمس إلى آدم . قال ابن عبّاس - رضى اللَّه عنهما - : لم يكن لآدم في ذلك أمر ولا إرادة بل كان في سابق العلم ، لقوله تعالى : * ( ( وإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) ) * . فتناول آدم السنابل من يدها ، وقد نسي العهد الذي أخذ عليه من أجلها ، فذلك قوله تعالى : * ( ( ولَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَه عَزْماً ) ) * فذاق من الشجرة كما ذاقت حواء ؛ قال اللَّه تعالى : * ( ( فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ) ) * .

--> « 1 » هجر : ناحية البحرين كلها ؛ وهى معروفة بالقلال التي كانت تجلب منها إلى المدينة .