النويري
282
نهاية الأرب في فنون الأدب
ذكر ما قيل في الدّبّ والدّبّ مختلف الطبائع ، يأكل ما تأكله السّباع ، ويرعى ما ترعاه الدوابّ ، ويتناول ما يأكله الناس ؛ وفى طبعه أنّه إذا كان أوان السّفاد خلا كلّ ذكر بأنثاه ، والذكر يسفد أنثاه مضطجعة على الأرض ، وهى تضع جروها فدرة لحم غير مميّز الجوارح ، فتهرب به من موضع إلى آخر خوفا عليه من النّمل ، وهى مع ذلك تلحسه حتى تنفرج أعضاؤه ويتنفّس ، وفى ولادتها صعوبة ، فيزعم بعض من فحص عن طبائع الحيوان أنّ الدّبّة تلد من فيها ، وأنّها إنّما تلده ناقص الخلق شوقا إلى الذّكر وحرصا على السّفاد ، وهى لشدّة شهوتها تدعو الآدمىّ إلى وطئها ؛ وفيما حكى لي أنّ إنسانا كان سائرا في بعض الغياض لمقصده ، فصادف دبّة ، فأخذته وأومأت إليه بالإشارة أن يواقعها ، ففهم عنها وفعل ، فلمّا فرغ عمدت إلى أقدامه فلحست مواطئها حتّى نعمت « 1 » ، ولم تزل تكرّر لحسها وتمرّ بلسانها عليها حتّى بقي الرجل يعجز عن الوطء بها على الأرض ، فعند ذلك أمنت هربه وتركته ، فكانت تغدو وتتكسّب وترجع إليه بما يأكله وهو يواقعها ، وهى تتعاهد « 2 » لحس رجليه ، فلم يزل كذلك حتّى مرّ عليه جماعة من السّفر ، فناداهم ، فأتوه وحملوه على دوابّهم وساروا به . قالوا : والأنثى إذا هربت من الصيّادين جعلت جراءها بين يديها ، فإذا اشتدّ خوفها عليهم بأن أدركها من يطلبها صعدت بأولادها إلى الأشجار ؛ وفى الدّبّ من القوّة والشدّة ما يقطع العود الضخم من الشجرة العاديّة « 3 » التي لا تقطعها الفأس إلَّا بعد تعب ،
--> « 1 » كذا ضبط هذا الفعل في اللسان ضبطا بالعبارة . « 2 » في كتب اللغة أن قولهم : « يتعهد » بدون ألف أفصح من « يتعاهد » بل إن بعض اللغويين قد أنكر قولهم « يتعاهد » ، وأجازه بعضهم . « 3 » العادية ، أي القديمة .