النويري
4
نهاية الأرب في فنون الأدب
في حسن الخطَّ وما وصفت به الكتابة عند ذكرنا لكتابة الإنشاء « 1 » ، فلا فائدة في إعادته هنا . وأما معرفة العربيّة - فلأنّه إنّما يكتب عن حاكم المسلمين في الأمور الشرعيّة ، فلا يجوز أن يصدر عنه لحن بلفظه ، فكيف إذا سطَّره بقلمه ! ؟ فإن وقع ذلك كان من أقبح العيوب وأشنعها ، وربّما أخلّ بالمقصود ، وحرّف المعنى المراد وأخرجه عن وضعه ، ونقله إلى غير ما أريد به ، سيّما « 2 » في شروط الأوقاف . وأما معرفة الفقه - فلأنه يجلس بين يدي حاكم عالم ، لا يكاد يخلو مجلسه غالبا من الفقهاء والعلماء ، فيوردون المسائل أو تورد عليهم ، فيحصل البحث فيها فيتكلَّم كلّ من القوم بما علمه بقدر اشتغاله ونقله ، فإذا كان الكاتب عاريا من الفقه والمدارسة ومطالعة كتب العلوم الشرعيّة اقتضى ذلك عدم مشاركته لهم فيما هم فيه فيصير بمثابة الأجنبىّ من المجلس ، وهو في ذلك بين أمرين : إمّا أن يسكت ، فلا فرق بينه وبين جماد شغلت به تلك البقعة التي جلس فيها ؛ أو يتكلَّم بما لا يعلم ، فيردّ عليه قوله ، فيحصل له الخجل في ذلك المجلس الحفل ، ويستزريه القوم ؛ هذا من هذا الوجه ؛ ثم هو فيما يكتبه عن الحاكم أو في أصل « 3 » المكتوب بين أمرين : إمّا أن يجيد ويبرز المكتوب وهو محرّر على مقتضى قواعد الفقه ، فلا بدّ له فيه من الاستعانة بالغير وتقليده ، بحيث إنه لو سئل عن معنى أجاد فيه وأحسن لعجز عن الجواب ؛ وإمّا أن يستقلّ بنفسه فيكتب غير الواجب ، فيكون قد أفسد المكتوب على أهله
--> « 1 » يشير بذلك إلى ما تقدم ذكره في الجزء السابع صفحة 14 من هذا الكتاب . « 2 » « سيما » ، أي لا سيما ، فحذف « لا » للعلم بها وهى مرادة ، لكن هذا الحذف قليل ( التاج ) مادة « سوا » . « 3 » يريد بأصل المكتوب : ما يكون أصلا لما يكتب عن القاضي ، ككتب المبايعات والإقرارات وغيرها ، فإنها أصل لما يكتب عن القاضي من الإسجالات ونحوها .