النويري

3

نهاية الأرب في فنون الأدب

ومنها ضبط أحوال الناس ، كمناشير الجند ، وتواقيع العمّال ، وإدرارات أرباب الصّلات في سائر الأعمال ، إلى ما يجرى هذا المجرى ، فكان وجودها في سائر الناس فضيلة ، وعدمها نقيصة إلا في رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، فإنها إحدى معجزاته لأنه صلَّى اللَّه عليه وسلم أمّىّ [ أتى ] « 1 » بما أعجز البلغاء ، وأخرس الفصحاء ، وفلّ حدّ المؤرّخين من غير مدارسة كتب ولا ممارسة تعليم ، ولا مراجعة لمن عرف بذلك واشتهر به . والكتابة العربية أشرف الكتابات لأن الكتاب العزيز لم يرقم بغيرها خلافا لسائر الكتب المنزّلة . وهذه الكتابة العربية أوّل « 2 » من اخترعها على الوضع الكوفىّ سكَّان مدينة الأنبار « 3 » ، ثم نقل هذا القلم إلى مكة فعرف بها ، وتعلَّمه من تعلَّمه ، وكثر في الناس وتداولوه ، ولم تزل الكتابة به على تلك الصورة الكوفيّة إلى أيام الوزير أبى « 4 » علىّ بن مقلة ، فعرّبها تعريبا غير كاف ، ونقلها نقلا غير شاف ، فكانت كذلك إلى أن ظهر علىّ بن هلال الكاتب المعروف بابن « 5 » البوّاب ، فكمّل تعريبها ، وأحسن تبويبها ؛ وأبدع نظامها ، وأكمل التئامها ؛ وحلَّاها بهجة وجمالا ، وأولاها بل أولى بها منّة وإفضالا ؛ وألبسها من رقم أنامله حللا ، وجلاها للعيون فكان أوّل من أحسن في ترصيعها وترصيفها عملا ؛ ولا زال يتنوّع في محاسنها ، و « 6 » يتنوّع في ترصيع عقود

--> « 1 » هذه الزيادة ساقطة من الأصل ، والسياق يقتضيها . « 2 » في الأصل : « فأوّل » والقواعد تقتضى حذف الفاء ، ولعلها زيادة من الناسخ . « 3 » هي مدينة على الفرات غربىّ بغداد ، بينهما عشرة فراسخ ، وكانت الفرس تسميها فيروز سابور ، وأوّل من عمرها سابور بن هرمز ، ثم جدّدها أبو العباس السفاح أوّل خلفاء بنى العباس . « 4 » هو محمد بن علي بن الحسين بن مقلة ، وأبو علي كنيته . « 5 » ويقال له : ابن السترى أيضا لأن أباه كان بوابا ، والبواب يلازم ستر الباب ، فلذلك نسب اليه . « 6 » لعله : « ويتنوّق » بالقاف المثناة ، أي يجوّد ويبالغ .