النويري

52

نهاية الأرب في فنون الأدب

الاستعارة أن التشبيه المضمر الأداة يحسن إظهار أداة التشبيه فيه ، والاستعارة لا يحسن ذلك فيها . والاستعارة أخصّ من المجاز إذ قصد المبالغة شرط في الاستعارة دون المجاز ، وأيضا فكلّ استعارة من البديع وليس كلّ مجاز منه . والحقّ أن المعنى يعار أوّلا ثم بواسطته يعار اللَّفظ ؛ ولا تحسن الاستعارة إلا حيث كان التشبيه مقرّرا بينهما ظاهرا ، وإلا فلا بدّ من التصريح بالتشبيه ، فلو قلت : رأيت نخلة أو خامة وأنت تريد مؤمنا إشارة إلى قول النّبى صلَّى اللَّه عليه وسلم : « مثل المؤمن كمثل النخلة « 1 » » أو « كمثل « 2 » الخامة » لكنت كالملغز التارك لما « 3 » يفهم . وكلَّما زاد التشبيه خفاء زادت الاستعارة حسنا بحيث تكون ألطف من التصريح بالتشبيه ، فإنّك لو رمت أن تظهر التشبيه في قول ابن المعتزّ : أثمرت أغصان راحته لجناة الحسن عنّابا احتجت أن تقول : أثمرت أصابع راحته التي هي كالأغصان لطالب الحسن . شبه العنّاب من أطرافها المخضوبة ، وهذا ممّا لا خفاء بغثاثته . وربّما جمع بين عدّة استعارات إلحاقا للشكل بالشكل لإتمام التشبيه فتريد الاستعارة به حسنا ، كقول امرئ القيس في صفة اللَّيل : فقلت له لمّا تمطَّى بصلبه وأردف أعجازا وناء بكلكل فصل فيما تدخله الاستعارة وما لا تدخله قال : الأعلام لا تدخلها الاستعارة لما تقدّم في المجاز . وأما الفعل فالاستعارة تقع أوّلا في المصدر ، ثم تقع بواسطة ذلك في الفعل ، فإذا قلت : نطقت الحال بكذا

--> « 1 » في رواية : ( كمثل النحلة ) بالحاء المهملة ، يريد نحلة العسل ، وما هنا هو المشهور . « 2 » نصه في كتاب النهاية هكذا : « مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح » والخامة : الطاقة الغضة الناعمة من الزرع . « 3 » في الأصل : « فلا » والتصويب عن حسن التوسل .