النويري
32
نهاية الأرب في فنون الأدب
ثم النظر في أيام العرب ووقائعهم وحروبهم ، وتسمية الأيام التي كانت بينهم ، ومعرفة يوم كل قبيلة على الأخرى ، وما جرى بينهم في ذلك من الأشعار والمنافسات ، لما في ذلك من العلم بما يستشهد به من واقعة قديمة ، أو يرد عليه في مكاتبة من ذكر يوما مشهورا ، أو فارسا معيّنا . وسنذكر ذلك إن شاء اللَّه تعالى في فنّ التاريخ على ما ستقف عليه ؛ فإن صاحب هذه الصناعة إذا لم يكن عارفا بأيام العرب ، عالما بما جرى فيها لم يدر كيف يجيب عمّا « 1 » يرد عليه من مثلها ، ولا ما يقول إذا سئل عنها ، وحسبه ذلك نقصا في صناعته وقصورا . ثم النظر في التواريخ ومعرفة أخبار الدول ، لما في ذلك من الاطلاع على سير الملوك وسياساتهم ، وذكر وقائعهم ومكايدهم في حروبهم ، وما اتفق لهم من التجارب ؛ فإن الكاتب قد يضطرّ إلى السؤال عن أحوال من سلف ، أو يرد عليه في كتاب ذكر واقعة بعينها ، أو يحتجّ عليه بصورة قديمة فلا يعرف حقيقتها من مجازها ؛ وقد أوردنا في فن التاريخ ما لا يحتاج الكاتب معه إلى غيره من هذا الفن . ثم حفظ أشعار العرب ومطالعة شروحها ، واستكشاف غوامضها والتوفّر على ما اختاره العلماء بها « 2 » منها ، كالحماسة ، والمفضّليّات ، والأصمعيّات ، وديوان الهذليّين ، وما أشبه ذلك ، لما في ذلك من غزارة الموادّ ، وصحّة الاستشهاد ، والاطلاع على أصول اللَّغة ، ونوادر العربيّة ؛ وقد كان الصدر الأول يعتنون بذلك غاية الاعتناء ، وقد حكى أن الإمام الشافعىّ رحمه اللَّه كان يحفظ ديوان هذيل ؛ فإذا أكثر المترشّح للكتابة من حفظ ذلك وتدبّر معانيه سهل عليه حلَّه ، وظهرت له مواضع
--> « 1 » في الأصل : ( بما ) وهو تحريف صوابه ما أثبتنا كما تقتضيه اللغة . « 2 » كذا في الأصل وفى حسن التوسل . ولعل قوله : « بها » زيادة من الناسخ . وعبارة صبح الأعشى ج 1 ص 271 ط دار الكتب المصرية : ( وما توفرت دواعي العلماء بها على اختياره ) ولعلها أظهر .