النويري
249
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقال المهلَّب لبنيه : يا بنىّ تباذلوا « 1 » تحابّوا ، فإن بنى الأمّ يختلفون ، فكيف بنى العلَّات « 2 » ؛ إنّ البرّ ينسأ في الأجل ، ويزيد في العدد ، وإنّ القطيعة تورث القلَّة ، وتعقب النار بعد الذّلَّة ؛ واتقوا زلَّة اللسان ، فإنّ الرجل تزلّ رجله فينتعش ، ويزلّ لسانه فيهلك ؛ وعليكم في الحرب بالمكيدة ، فإنّها أبلغ من النّجدة . ولمّا استخلف ابنه المغيرة على حرب الخوارج ، وعاد هو إلى عند « 3 » مصعب ابن الزّبير ، جمع الناس فقال لهم : إني قد استخلفت عليكم المغيرة ، وهو أبو صغيركم رقّة ورحمة ، وابن كبيركم طاعة وتبجيلا وبرّا ، وأخو مثله مواساة ومناصحة ، فلتحسن له طاعتكم ، وليلن له جانبكم ، فو اللَّه ما أردت صوابا قطَّ إلا سبقني إليه . وخطب عبد الملك بن مروان ، فلما بلغ الغلظة قام إليه رجل من آل صوحان فقال : مهلا مهلا يا بنى مروان ، تأمرون ولا تأتمرون ، وتنهون ولا تنهون ، وتعظون ولا تتعظون ؛ أفنقتدى بسيرتكم في أنفسكم ، أم نطيع أمركم بألسنتكم ؟ فإن قلتم : اقتدوا بسيرتنا ، فأنّى وكيف ، وما الحجّة ، وما المصير من اللَّه ؟ أنقتدى بسيرة الظَّلمة الفسقة الجورة الخونة ، الذين اتخذوا مال اللَّه دولا ، وعبيده خولا ؟ وإن قلتم : اسمعوا نصيحتنا ، وأطيعوا أمرنا ، فكيف ينصح لغيره من يغشّ نفسه ؟ أم كيف تجب الطاعة لمن لم تثبت عند اللَّه عدالته ؟ وإن قلتم : خذوا الحكمة من حيث وجدتموها ، واقبلوا العظة ممّن سمعتموها ، فعلام وليّناكم أمرنا ، وحكَّمناكم في دمائنا وأموالنا ؟ أما علمتم أنّ فينا من هو أنطق منكم باللغات ، وأفصح بالعظات ؟
--> « 1 » في الأصل : « تنازلوا » وهو تحريف صوابه ما أثبتنا كما في البيان والتبيين . « 2 » بنو العلات : الأبناء من أمهات شتى والأب واحد . « 3 » كذا في الأصل ، ولعل قوله : « عد » زيادة من الناسخ ، فإن « عند » من الظروف التي لا تخرج عن الظرفية إلا إلى الجر بمن ، وجرها بإلى لحن ، كما في مغنى اللبيب .