النويري
241
نهاية الأرب في فنون الأدب
ومن كلام أمّ الخير بنت الحريش البارقيّة ، - وكانت من الفصحاء - حكى أنها لما وفدت على معاوية قال لها كيف كان كلامك يوم قتل عمّار بن ياسر ؟ قالت : لم أكن واللَّه زوّرته « 1 » قبل ولا رويته بعد ، وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة ، فإن شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت ، قال : لا أشاء ذلك ، ثم التفت إلى أصحابه فقال : أيّكم حفظ كلام أمّ الخير ؟ فقال رجل من القوم : أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظى سورة الحمد ، قال : هاته ، قال : نعم ، كأنّى بها يا أمير المؤمنين عليها برد زبيدىّ ، كثيف الحاشية ، وهى على جمل أرمك « 2 » ، وقد أحيط حولها وبيدها سوط منتشر الضّفر « 3 » ، وهى كالفحل يهدر في شقشقته تقول : * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) * إن اللَّه قد أوضح الحقّ ، وأبان الدليل ، ونوّر السبيل ، ورفع العلم ، فلم يدعكم في عمياء مبهمة ، ولا سوداء مدلهمّة ؛ فأنّى « 4 » تريدون رحمكم اللَّه ؟ أفرارا عن أمير المؤمنين ، أم فرارا من الزّحف ، أم رغبة عن الإسلام ، أم ارتدادا عن الحق ؟ أما سمعتم اللَّه عزّ وجلّ يقول : * ( ولَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ والصَّابِرِينَ ونَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ ) * ثم رفعت رأسها إلى السماء وهى تقول : اللهمّ قد عيل الصبر ، وضعف اليقين ، وانتشرت الرغبة ، وبيدك يا رب أزمّة القلوب ، فاجمع الكلمة على التقوى ، وألَّف القلوب على الهدى ، وردّ الحقّ إلى أهله ؛ هلمّوا رحمكم اللَّه إلى الإمام العادل ،
--> « 1 » كذا في صبح الأعشى ج 1 ص 249 ؛ وزوّرته : ثقفته وهذبته ، وهو من قولهم : زوّر الحديث ، إذا أزال زوره ، أي عوجه . وفى الأصل : « رويته » ؛ وما أثبتناه هو المناسب للسياق . « 2 » الأرمك : من الرمكة ، وهى لون التراب . « 3 » الضفر : الفتل ، والمراد به هنا اسم المفعول . « 4 » في صبح الأعشى ج 1 ص 250 : « فإلى أين » .