النويري

237

نهاية الأرب في فنون الأدب

حمل » فسيطلبك من تطلب ، ويقرب منك ما تستبعد ، وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار ، والتابعين لهم بإحسان ، شديد زحامهم ، ساطع قتامهم ، متسربلين سرابيل الموت ، أحبّ اللقاء إليهم لقاء ربّهم ، قد صحبتهم ذرّية بدرية ، وسيوف هاشميّة ، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك « 1 » وأهلك « وما هي من الظَّالمين ببعيد » . ومن كلام الأحنف بن قيس حين وبّخه معاوية بن أبي سفيان بتخذيله عائشة رضى اللَّه عنها ، وأنه شهد صفّين ، وقال له : فعلت وفعلت ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، لم تردّ الأمور على أعقابها ؟ أما واللَّه إنّ القلوب النى أبغضناك بها لبين جوانحنا ، والسيوف التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، ولئن مددت بشبر من غدر ، لنمدّنّ باعا من ختر « 2 » ، ولئن شئت لتسصفين كدر قلوبنا بصفو حلمك ؛ قال معاوية : أفعل . وجلس معاوية يوما وعنده وجوه الناس ، وفيهم الأحنف ، فدخل رجل من أهل الشام ، فقام خطيبا ، فكان آخر كلامه أن لعن عليّا رضى اللَّه عنه ، فأطرق الناس ، وتكلَّم الأحنف فقال : يا أمير المؤمنين ، إن هذا القائل آنفا ما قال لو علم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم ، فاتّق اللَّه ، ودع عليّا فقد لقى اللَّه ، وأفرد في حفرته ، وخلا بعمله ، وكان واللَّه - ما علمنا - المبرّز بسبقه ، الطاهر في خلقه ؛ الميمون النّقيبه ، العظيم المصيبة . قال معاوية : يا أحنف ، لقد أغضيت العين على القذى ، وقلت بغير ما ترى ، وأيم اللَّه لتصعدنّ المنبر فلتلعننّه طائعا أو كارها ؛ فقال الأحنف : إن تعفنى فهو خير ، وإن تجبرنى على ذلك فو اللَّه لا تجرى به شفتاي ؛ فقال معاوية : قم فاصعد ؛ قال : أما واللَّه لأنصفنّك في القول والفعل ؛ قال معاوية : وما أنت

--> « 1 » أخوه : حنظلة . وخاله : الوليد بن عتبة . وجدّه : عتبة بن ربيعة . « 2 » الختر : أقبح الغدر .