النويري
18
نهاية الأرب في فنون الأدب
والرفيع والوضيع ، والغثّ والسمين ، والشكل وخلافه ، والجنس وضدّه ؛ وبعد : فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن « 1 » ؟ وروضة تقلَّب في حجر ؟ ينطق عن الموتى ، ويترجم كلام الأحيا ، ومن لك بمؤنس لا ينام إلَّا بنومك ، ولا ينطق إلَّا بما تهوى ، « آمن من الأرض » وأكتم للسر من صاحب السرّ ، وأضبط لحفظ الوديعة من أرباب الوديعة ، وأحضر لما استحفظ من الأمّيين ، ومن الأعراب المعربين ، بل من الصّبيان قبل اعتراض الأشغال ، ومن العميان قبل التمتّع بتمييز الأشخاص ، حين العناية تامة لم تنتقص والأذهان فارغة لم تقتسم ، والإرادات وافرة لم تستعتب « 2 » ، والطينة لينة فهي أقبل ما تكون للطابع ، والقضيب رطب فهو أقرب ما يكون للعلوق ، حين هذه الخصال لم يلبس جديدها ، ولم تتفرّق قواها ، وكانت كقول الشاعر : أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبي فارغا فتمكَّنا وقال ذو الرمّة لعيسى بن عمر : اكتب شعري ، فالكتاب أعجب إلى من الحفظ لأن الأعرابىّ ينسى الكلمة قد تعب في طلبها يوما أو ليلة ، فيضع موضعها كلمة في وزنها « 3 » لم ينشدها الناس ، والكتاب لا ينسى ولا يبدّل كلاما بكلام . قال : ولا أعلم جارا أبرّ ، ولا خليطا أنصف ، ولا رفيقا أطوع ، ولا معلَّما أخضع ، ولا صاحبا أظهر كفاية ، ولا أقلّ خيانة ، ولا أقلّ إبراما وإملالا ، ولا أقل خلافا وإجراما ولا أقلّ غيبة ، ولا أكثر أعجوبة وتصرّفا ، ولا أقلّ صلفا وتكلَّفا ، ولا أبعد من مراء ، ولا أترك لشغب ، ولا أزهد في جدال ، ولا أكفّ عن قتال من كتاب ؛ ولا أعلم شجرة أطول عمرا ، ولا أجمع « 4 » أمرا ، ولا أطيب ثمرة ، ولا أقرب مجتنى
--> « 1 » الردن بالضم : أصل الكتم جمعه أردان . « 2 » كذا في الأصل ، ولعله : « تتشعب » . « 3 » لم ينشدها الناس ، يريد أن الكلمة التي يضعها لم تسر في الناس ولم يرووها ، ولم يكن قبل قد أنشدها إياهم . وفى رواية : « ثم ينشدها » بالثاء المثلثة . « 4 » كذا في الأصل . ولم ترد هذه العبارة ضمن كلام الجاحظ في كتابه المحاسن والأضداد .