النويري
228
نهاية الأرب في فنون الأدب
متحنا أروينا ، وإن قرحنا أدمينا ، ولقد سمعت أماثيلك التي لغّزت « 1 » فيها عن صدر أكل بالجوى ، ولو شئت لقلت [ على « 2 » ] مقالتك ما إن سمعته ندمت على ما قلت ؛ وزعمت أنك قعدت في كسر بيتك لما وقذك به رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من فقده ، فهو وقذك ولم يقذ غيرك ؟ بل مصابه أعمّ وأعظم من ذلك ، وإنّ من حقّ مصابه ألا تصدع شمل الجماعة بفرقة لا عصام لها ، ولا يؤمن كيد الشيطان في بقائها ، هذه العرب حولنا ، واللَّه لو تداعت علينا في صبح نهار لم نلتق في مسائه ؛ وزعمت أن الشوق إلى اللَّحاق به كاف عن الطمع في غيره ، فمن علامة الشوق إليه نصرة دينه ، ومؤازرة أوليائه ومعاونتهم ؛ وزعمت أنك عكفت على عهد اللَّه تجمع ما تفرّق منه ، فمن العكوف على عهد اللَّه النصيحة لعباد اللَّه ، والرأفة على خلق اللَّه ، وبذل ما يصلحون به ، ويرشدون عليه ؛ وزعمت أنك لم تعلم أن التظاهر وقع عليك ، وأىّ حقّ لطَّ دونك ؟ قد سمعت وعلمت ما قالت الأنصار بالأمس سرّا وجهرا ، وتقلَّبت عليه بطنا وظهرا ، فهل ذكرتك ، أو أشارت بك ، أو وجدت رضاهم عنك ؟ هل قال أحد منهم بلسانه : إنك تصلح لهذا الأمر ، أو أومأ بعينه ، أو همهم « 3 » في نفسه ؟ أتظنّ أن الناس ضلَّوا من أجلك ، وعادوا كفّارا زهدا فيك وباعوا اللَّه تعالى تحاملا عليك ؟ لا واللَّه ، لقد جاءني عقيل بن زياد الخزرجىّ [ في نفر من أصحابه ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجىّ « 4 » ] وقالوا : إن عليّا ينتظر الإمامة ، ويزعم أنه أولى بها من غيره ، وينكر على من يعقد الخلافة ، فأنكرت عليهم ،
--> « 1 » كذا ورد هذا الفعل بتشديد الغين في أساس البلاغة . « 2 » هذه الكلمة ساقطة من الأصل ، وقد أثبتناها عن صبح الأعشى ، إذ بها تستقيم العبارة . « 3 » الهمهمة : الكلام الذي لا يصرح به . « 4 » التكملة عن صبح الأعشى ج 1 ص 246 ؛ وما بعدها يقتضى إثباتها .