النويري

220

نهاية الأرب في فنون الأدب

ولولا سنّك لم تكن عن شئ منها ناكلا ؛ كيف وفؤادك مشهوم « 1 » ، وعودك معجوم ! والآن قد بلغ اللَّه بك ، وأنهض الخير لك ، وجعل مرادك بين يديك ، وعن علم أقول ما تسمع ؛ فارتقب زمانك ، وقلَّص « 2 » أردانك ؛ ودع التقعّس « 3 » والتجسّس لمن لا يظلع لك إذا خطا ، ولا يتزحزح عنك إذا عطا ؛ فالأمر غضّ ، والنفوس فيها مضّ « 4 » ؛ وإنك أديم هذه الأمّة فلا تحلم « 5 » لجاجا ، وسيفها العضب فلا تنب اعوجاجا ، وماؤها العذب فلا تحل أجاجا ؛ واللَّه لقد سألت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن هذا الأمر فقال لي : « يا أبا بكر ، هو لمن يرغب عنه لا لمن يحاحش « 6 » عليه ، ولمن يتضاءل عنه لا لمن ينتفج « 7 » إليه ، هو لمن يقال : هو لك ، لا لمن يقول : هو لي » ولقد شاورنى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في الصّهر ، فذكر فتيانا من قريش ، فقلت : أين أنت من علىّ ؟ فقال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : إني لأكره لفاطمة ميعة شبابه ، وحداثة سنّه ، فقلت له : متى كنفته يدك ، ورعته عينك ، حفّت بهما البركة ، وأسبغت عليهما النعمة ، مع كلام كثير خاطبته به رغبة فيك ، وما كنت عرفت منك في ذلك حوجاء ولا للوجاء ، فقلت ما قلت وأنا أرى مكان غيرك ، وأجد

--> « 1 » المشهوم : الذكي الفؤاد المتوقد ، كالشهم . « 2 » التقليص : التشمير . « 3 » القعس : التأخر ، كالتقاعس . « 4 » المض : الألم والحزن . « 5 » حلم الجلد : وقع فيه الحلم بفتح اللام ، وهو دود يقع في الجلد فيأكله ، فإذا دبغ وهى موضع الأكل منه ؛ يريد أنه الذي يجتمع به شمل الأمة وتصان به أمورها ، فإذا فسد تفرق ما كان مجتمعا منها كالأديم الذي يصان به سائر البدن . « 6 » يجاحش : يدافع . « 7 » الانتفاج : الارتفاع ، أو هو مستعار هنا من قولهم : انتفجت الأرنب إذا وثبت ، ومعنى العبارة يستقيم على كلا التفسيرين .