النويري
216
نهاية الأرب في فنون الأدب
مولاي أبا عبيدة يقول : لما استقامت الخلافة لأبى بكر رضى اللَّه عنه بين المهاجرين والأنصار بعد فتنة كاد الشيطان بها ، فدفع اللَّه شرّها ، ويسّر خيرها ؛ بلغ أبا بكر عن علىّ تلكَّؤ وشماس ، وتهمّم « 1 » ونفاس ، وتهمّم ونفاس ، فكره أن يتمادى الحال فتبدو العورة ، وتشتعل الجمره ، وتفرّق ذات البين ، فدعاني ، فحضرته في خلوة ، وكان عنده عمر بن الخطَّاب رضى اللَّه عنه وحده ، فقال : يا أبا عبيدة ، ما أيمن ناصيتك ، وأبين الخير بين عينيك ، وطالما أعزّ اللَّه بك الإسلام ، وأصلح شأنه على يديك ، ولقد كنت من رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بالمكان المحوط ، والمحلّ المغبوط ، ولقد قال فيك في يوم مشهود : « لكلّ أمّة أمين ، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة » ولم [ تزل « 2 » ] للدّين ملتجأ ، وللمؤمنين مرتجى ، ولأهلك ركنا ، ولإخوانك ردءا ؛ قد أردتك لأمر له خطر مخوف ، وإصلاحه من أعظم المعروف ؛ ولئن لم يندمل جرحه بيسارك « 3 » ورفقك ، ولم تجبّ حيّته برقيتك ، فقد وقع اليأس ، وأعضل البأس ؛ واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمرّ منه وأعلق ، وأعسر منه وأغلق ؛ واللَّه أسأل تمامه بك ، ونظامه على يديك ، فتأتّ له يا أبا عبيدة ، وتلطَّف فيه ، وانصح للَّه عزّ وجلّ ، ولرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، ولهذه العصابة غير آل جهدا ، و [ لا ] قال حمدا ؛ واللَّه كالئك وناصرك ، وهاديك ومبصّرك ، إن شاء اللَّه ؛ امض إلى علىّ واخفض له جناحك ، واغضض
--> « 1 » يقال : تهمم فلان الشئ ، إذا طلبه ، والمراد هنا طلب الخلافة . وفى رواية : « تهمهم » ، وهو الكلام الخفي ؛ والمعنى يستقيم على ذلك أيضا . والنفاس : المنافسة . « 2 » هذه الكلمة ساقطة من الأصل ؛ واستقامة الكلام تقتضى إثباتها انظر صبح الأعشى ج 1 ص 238 طبع المطبعة الأميرية . « 3 » كذا في الأصل ؛ وفى رواية : « بمسبارك » ؛ انظر محاضرة الأبرار ج 2 ص 111 طبع السعادة في تفسير هذه الرسالة . والمسبار : فتيل يدخل في الجرح ليعرف كم عمقه ؛ يقال : سيرت الجرح إذا اختبرته بالمسبار .