النويري
163
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأما نفى الشئ بإيجابه - فهو أن يثبت المتكلَّم شيئا في ظاهر كلامه وينفى ما هو [ من « 1 » ] سببه مجازا ، والمنفىّ في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته كقول امرئ القيس : على لا حب لا يهتدى بمناره إذا سافه « 2 » العود النّباطىّ جرجرا فظاهر هذا الكلام يقتضى إثبات منار لهذه الطريق ، ونفى الهداية « 3 » به مجازا وباطنه في الحقيقة يقتضى نفى المنار جملة ، والمعنى أن هذه الطريق لو كان لها منار ما اهتدى به ، فكيف ولا منار لها ، كما تقول لمن تريد أن تسلبه الخير : ما أقلّ خيرك ! فظاهر كلامك يدلّ على إثبات خير قليل ، وباطنه نفى الخير كثيره وقليله . وقول الزبير بن عبد المطلب يمدح عميلة بن عبد الدار « 4 » - وكان نديما له - : صحبت بهم طلقا يراح إلى الندى إذا ما انتشى لم تحتضره مفاقره ضعيف بحثّ الكأس قبض « 5 » بنانه كليل على وجه النديم أظافره فظاهر هذا أنّ للممدوح مفاقر لم تحتضره إذا انتشى ، وأنّ له أظافر يخمش بها وجه نديمه خمشا ضعيفا ، وباطن الكلام في الحقيقة نفى المفاقر جملة ، والأظافر بتّة .
--> « 1 » في الأصل : « ما هو سببه » بسقوط « من » وقد أثبتناها عن حسن التوسل وغيره . « 2 » في الأصل : « ساقه » بالقاف المثناة ، وهو تحريف ، ولا معنى له يناسب السياق ، والتصويب عن شرح ديوان امرئ القيس . وسافه : شمه . والعود : الجمل المسنّ . وجرجر : رغا ، وإنما يرغو الجمل لمعرفته ببعد الطريق . « 3 » وردت هذه العبارة في الأصل هكذا : « ونفى مد الهداية » وفيها قلب وتحريف لا يستقيم بهما المعنى ؛ وسياق الكلام يقتضى ما أثبتنا . انظر تحرير التحبير لابن أبي الإصبع المحفوظ منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم 465 بلاغة . « 4 » هذه نسبة إلى جده ، أما أبوه فهو السباق بن عبد الدار . انظر المقتضب من جمهرة النسب لياقوت المحفوظ منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم 2785 تاريخ . « 5 » في الأصل : « بحيث الكأس فضل » ؛ وهو تحريف لا يستقيم به المعنى ، والتصويب عن حسن التوسل . وفى تحرير التحبير : « فيض » بفاء موحدة بعدها ياء مثناة ؛ وهو تحريف .