النويري

9

نهاية الأرب في فنون الأدب

وقال رجل للعتّابىّ : ما البلاغة ؟ قال : كلّ ما أبلغك حاجتك ، وأفهمك معناه بلا إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ ؛ قالوا : قد فهمنا الإعادة والحبسة ، فما معنى الاستعانة ؟ قال : أن يقول عند مقاطع الكلام : إسمع منّى ، وافهم عنّى ، أو يمسح عثنونه « 1 » ، أو يفتل أصابعه ، أو يكثر التفاته ، أو يسعل من غير سعلة ، أو ينبهر « 2 » في كلامه قال بعض الشعراء : ملىء ببهر والتفات وسعلة ومسحة عثنون وفتل الأصابع ومن كلام أحمد بن إسماعيل الكاتب المعروف بنطاحة « 3 » ، قال : البليغ من عرف السقيم من المعتلّ ، والمقيّد من المطلق ، والمشترك من المفرد ، والمنصوص من المتأوّل ، والإيماء من الإيحاء ، والفصل من الوصل ، والتلويح من التصريح . ومن أمثالهم في البلاغة قولهم : يقلّ الحزّ « 4 » ويطبّق المفصل . وذلك أنهم شبهوا البليغ الموجز الذي يقلّ الكلام ويصيب نصوص المعاني « 5 » بالجزّار الرفيق الذي يقلّ حزّ اللحم ويصيب مفاصله ؛ وقولهم : يضع الهناء مواضع النّقب ، أي لا يتكلَّم إلا فيما يجب الكلام فيه . والهناء : القطران . والنّقب : الجرب . وقولهم : قرطس « 6 » فلان فأصاب الغرّة ، وأصاب عين القرطاس « 7 » . كلّ هذه أمثال للمصيب في كلامه الموجز في لفظه .

--> « 1 » هو ما نبت على الذقن من الشعر وتحته سفلا ، أو هو ما فضل من اللحية بعد العارضين من باطنهما . « 2 » في الأصل : ( يبتهر ) بباء موحدة بعدها تاء مثناة ؛ ولم نجد فيما بين أيدينا من كتب اللغة من معانيه ما يناسب المقام ، ولعله تحريف صوابه ما أثبتنا كما في العقد الفريد . وينبهر : مطاوع بهره الحمل يبهره : أوقع عليه البهر بضم ، الباء وهو تتابع النفس من الإعياء . « 3 » في الأصل : ( ناطحة ) بنون بعدها ألف ، وهو خطأ من الناسخ ، والتصويب عن كتاب الوافي ، ومعجم الأدباء ج 1 ص 377 ط مطبعة هندية وهو أحمد ابن إسماعيل بن إبراهيم بن الخصيب أبو علي الكاتب الأنباري . « 4 » في البيان والتبيين : ( ألمحز ) . « 5 » في الأصل : « من » والمقام يقتضى الباء كما أثبتنا . « 6 » يقال : قرطس فلان إذا رمى فأصاب القرطاس ، ويقال للرمية : مقرطسة . « 7 » هو كل أديم ينصب للنضال ؛ وفيه خمس لغات : تثليث القاف ، وكجعفر ، وكدرهم .