النويري

142

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأما التسهيم - فهو مأخوذ من البرد المسهّم ، وهو المخطَّط الذي لا يتفاوت ولا يختلف ، ومنهم من يجعل التسهيم والتوشيح شيئا واحدا ، ويشرك بينهما بالتسوية ، والفرق بينهما أنّ التوشيح لا يدلَّك أوّله إلا على القافية فحسب ، والتسهيم تارة يدلّ على عجز البيت ، وتارة على ما دون العجز ؛ وتعريفه أن يتقدّم من الكلام ما يدلّ على ما يتأخر ، تارة بالمعنى ، وتارة باللفظ ، كأبيات جنوب أخت عمرو ذي الكلب ، فإن الحذّاق بمعنى الشعر وتأليفه يعلمون أن معنى قولها : فأقسم يا عمرو لو نبّهاك يقتضى أن يكون تمامه : إذن نبّها منك داء عضالا دون غيره من القوافي ، كما لو قالت مكان « داء عضالا » : ليثا غضوبا ، أو أفعى قتولا ، أو سمّا وحيّا ، أو ما يناسب ذلك ، لأن الداء العضال أبلغ من جميع هذه الأشياء وأشد ، إذ كلّ منها يمكن مغالبته أو التوقّى منه ، والداء العضال لا دواء له ، فهذا مما يعرف بالمعنى ؛ وأما ما يدلّ فيه الأوّل على الثاني دلالة لفظيّة فهو قولها « 1 » بعده : إذن نبّها ليث عرّيسة حفيتا حفيدا نفوسا ومالا فإن الحاذق بصناعة الكلام إذا سمع قولها : « حفيتا مفيدا » تحقّق أن هذا اللفظ يقتضى أن يكون تمامه : « نفوسا ومالا » ؛ وكذلك قولها : فكنت النهار به شمسه

--> « 1 » في الأصل : « من قولها » ، وقوله « من » زيادة من الناسخ .