النويري

5

نهاية الأرب في فنون الأدب

وإيجاز قصر ، وهو تكثير المعنى وتقليل الالفاظ ، كقوله تعالى لنبيه محمد صلى اللَّه عليه وسلم مما جمع فيه شرائط الرسالة : * ( ( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ ) ) * وسمع أعرابىّ رجلا يتلوها فسجد وقال : سجدت لفصاحته ، ذكره أبو عبيد . وقوله تعالى مما جمع فيه مكارم الأخلاق : * ( ( خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) ) * وقوله تعالى : * ( ( إِنَّه مِنْ سُلَيْمانَ وإِنَّه بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) ) * فجمع في ثلاث كلمات بين العنوان والكتاب والحاجة ؛ وقوله تعالى : * ( ( قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وجُنُودُه وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) ) * فجمع في هذا على لسان النملة بين النداء والتنبيه والأمر والنهى « 1 » والتحذير والتخصيص والعموم والإشارة والإعذار ؛ ونظير ذلك ما حكى عن الأصمعىّ أنه سمع جارية تتكلَّم فقال لها : قاتلك اللَّه ، ما أفصحك ! فقالت : أو يعدّ هذا فصاحة بعد قول اللَّه تعالى : * ( ( وأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيه فَإِذا خِفْتِ عَلَيْه فَأَلْقِيه فِي الْيَمِّ ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوه إِلَيْكِ وجاعِلُوه مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) ) * فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين . ولما سمع الوليد بن المغيرة من النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم قوله تعالى : * ( ( إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والإِحْسانِ وإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ويَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ والْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ) * قال : واللَّه إنّ له لحلاوة « 2 » ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق « 3 » ، وإن أعلاه لمثمر ، ما يقول هذا بشر .

--> « 1 » في الأصل : « والنص » وهو تحريف صوابه ما أثبتنا كما يستفاد من الكشاف ، والنهى في هذه الآية قوله تعالى : ( لا يَحْطِمَنَّكُمْ ) . « 2 » في الأصل : ( إن له حلاوة ) بدون لام ، وما أثبتناه عن الشفاء ج 1 ص 220 ط الآستانه والطلاوة بضم الطاء وفتحها : الرونق والحسن . « 3 » كذا في الأصل وفى بعض كتب التفسير ، ومعناه الكثير الماء ، وفى رواية : ( لغدق ) كما في سيرة ابن هشام . والغدق بكسر الدال : الريان النديّ .