النويري

93

نهاية الأرب في فنون الأدب

استعطف قلوب العامّة على الطاعة لملكه ، وفيما قوّم أمر الملك والمملكة من تدبير ، حتى يجمع إلى أخذ الحق وتقديمه عموم الأمن والسلامة ، ويجمع إلى صلاح الملك صلاح أتباعه . وإذا تطرّقت الحوادث ودهمت العظائم كان للملك عدّة وعتادا ، وللرعيّة كافيا محتاطا ، ومن ورائها ذابّا ناصرا ، يعنيه من صلاحها ما لا يعنيه [ 1 ] من صلاح نفسه دونها . ذكر ما قيل في اشتقاق الوزارة وصفة الوزير وما يحتاج إليه أما اشتقاقها فقد اختلف في معناه على ثلاثة أوجه : أحدها أنه مشتقّ من الوزر وهو الثّقل ، لأنه يحمل عن الملك أثقاله . والثاني أنّه مشتقّ من الأزر وهو الظَّهر ، لأن الملك يقوى بوزيره كقوّة البدن بظهره . والثالث أنه مشتقّ من الوزر - وهو الملجأ - ومنه قوله تعالى : * ( كَلَّا لا وَزَرَ ) * أي لا ملجأ ؛ لأن الملك يلجأ إلى وزيره ومعونته . وأما صفة الوزير وما يحتاج إليه ، فقد قال أقضى القضاة أبو الحسن على ابن محمد بن محمد بن حبيب الماوردىّ في كتابه المترجم « قوانين الوزارة » ما معناه : إن الوزير في منصب مختلف الأطراف ، يدبّر غيره من الرعايا ويتدبّر بغيره من الملوك ، فهو سائس ومسوس يقوم بسياسة رعيّته وينقاد لطاعة سلطانه ، فيجمع بين سطوة مطاع وانقياد مطيع ، فشطر فكره جاذب لمن يسوسه ، وشطره مجذوب بمن يطيعه ؛ لأن الناس بين سائس ، ومسوس ، وجامع بينهما ، و [ له [ 2 ] ] هذه المرتبة الجامعة ؛ فهو يجمع ما اختلف من أحكامها ، ويستكمل ما تباين من أقسامها ؛ وبيده تدبير مملكة صلاحها

--> [ 1 ] في الأصل : « يعينه في صلاحها ما لا يعينه من . . . » وظاهر أنه تحريف . [ 2 ] زيادة أصلها في قوانين الوزارة : « ولك هذه الرتبة الجامعة » والكلام هناك لمخاطب وهاهنا لغائب .