النويري
87
نهاية الأرب في فنون الأدب
وكان سعيد بن عتبة بن حصين إذا حضر باب أحد من السلاطين جلس جانبا ؛ فقيل له : إنّك لتتباعد من الآذن جهدك ؛ فقال : لأن أدعى من بعيد خير من أن أقصى من قريب . قال بعض الشعراء : رأيت أناسا يسرعون تبادرا إذا فتح البوّاب بابك إصبعا ونحن جلوس ساكنون رزانة وحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا وقيل لمعاوية : إنّ آذنك ليقدّم معارفه في الإذن على وجوه الناس ؛ قال : وما عليه ! إنّ المعرفة لتنفع في الكلب العقور والجمل الصّؤول ، فكيف رجل حسيب ذو كرم ودين ! ونظر رجل إلى روح بن حاتم وهو واقف في الشمس عند باب المنصور ، فقال له : لقد طال وقوفك في الشمس ؛ فقال : ذلك ليطول جلوسى في الظلّ . ذكر ما قيل في الحجاب قال خالد بن عبد اللَّه القسرىّ أمير العراق لحاجبه : إذا أخذت مجلسي فلا تحجبنّ عنى أحدا ، فإنّ الوالي يحتجب عن الرعيّة لإحدى ثلاث : إمّا لعىّ يكره أن يطَّلع عليه ، وإما لبخل يكره أن يسأل شيئا ، وإما لريبة لا يحبّ أن تظهر منه . وقال زياد لحاجبه : ولَّيتك حجابتى وعزلتك عن أربع : المنادى إلى الصلاة والفلاح ، [ لا تفرّجنّه عنّى فلا سلطان لك عليه [ 1 ] ] ، وطارق الليل [ لا تحجبه فشرّ ما جاء به ، ولو كان خيرا ما جاء به تلك الساعة [ 1 ] ] ، ورسول الثّغر فإنّه إن أبطأ ساعة فسد عمل سنة فأدخله علىّ وإن كنت في لحافي ، وصاحب الطعام فإن الطعام إذا أعيد تسخينه فسد .
--> [ 1 ] زيادة عن العقد الفريد ج 1 ص 27