النويري
83
نهاية الأرب في فنون الأدب
ويقال : إذا انتهى السرّ من الجنان إلى عذبة اللسان ، فالإذاعة مستولية عليه . وقال عمرو بن العاص [ 1 ] : القلوب أوعية للأسرار ، والشّفاه أقفالها ، والألسن مفاتيحها ، فليحفظ كلّ امرئ مفتاح سرّه . قال شاعر : صن السرّ عن كلّ مستخبر وحاذر فما الحزم إلا الحذر أسيرك سرّك إن صنته وأنت أسير له إن ظهر وكان يقال : الكاتم سرّه بين إحدى فضيلتين : الظَّفر بحاجته ، والسلامة من شرّ إذاعته . ويقال : أصبر الناس من صبر على كتمان سرّه . وقال آخر : كتمانك سرّك يعقبك السلامة ، وإفشاؤه يعقبك الندامة ، والصبر على كتمان السرّ أيسر من الندامة [ 2 ] على إفشائه . قال شاعر : إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرّها فسرّك عند الناس أفشى وأضيع وقال آخر : تبوح سرّك ضيقا به وتحسب كلّ أخ يكتم وكتمانك السرّ ممن تخاف ومن لا تخافنّه أحزم إذا ذاع سرّك من مخبر فأنت متى لمته ألوم وكان يقال : لا تظهر كوامن صدرك بإذاعة سرّك ، فيمكربك حاسدك ، ويظهر عليك معاندك . قال عمر بن أبي ربيعة : فقالت وأرخت جانب السّتر إنّما معي فتحدّث غير ذي رقبة أهلي فقلت لها ما بي لهم من ترقّب ولكنّ سرّى ليس يحمله مثلي
--> [ 1 ] في كتاب أدب الدنيا والدين ( ص 311 ) تنسب هذه الكلمة إلى عمر بن عبد العزيز . [ 2 ] كذا في المحاسن والاصاد . وفى الأصل : « من التبذل به على إفشائه » .