النويري
76
نهاية الأرب في فنون الأدب
وقال آخر : رأيت العقل لم يكن انتهابا ولم يقسم على عدد السّنينا ولو أنّ السنين تقسّمته حوى الآباء أنصبة البنينا وقال آخر : أدركت ما فات الكهول من الحجا في عنفوان شبابك المستقبل فإذا أمرت فلا يقال لك : اتّئد وإذا قضيت فلا يقال لك : اعدل ذكر ما قيل فيمن نهى عن مشاورته ومعاضدته وأمر بالامتناع من مشايعته ومتابعته وقد كرهت العرب والحكماء مشاورة من اعترته الشواغل ، وألمّت به النوازل ؛ مع وفور عقله وحزمه ، والتمسّك بنصحه وفهمه . قال قسّ بن ساعدة الإيادىّ لابنه : لا تشاور مشغولا وإن كان حازما ، ولا جائعا وإن كان فهما ، ولا مذعورا وإن كان ناصحا ، ولا مهموما وإن كان عاقلا ، فالهمّ يعقل العقل فلا يتولَّد منه رأى ولا تصدق به رويّة . وقال الأحنف بن قيس : لا تشاور الجائع حتّى يشبع ، ولا العطشان حتى يروى ، ولا الأسير حتّى يطلق ، ولا المقلّ حتى يجد ، ولا الراغب حتّى ينجح . وقالوا : لا تشاور المعزول ، فإنّ رأيه مفلول . وقيل : لا تدخل في مشورتك بخيلا فيقصّر بفعلك ، ولا جبانا فيخوّفك ، ولا حريصا فيعدك ما لا يرجى ؛ فإنّ البخل والجبن والحرص طبيعة واحدة يجمعها سوء الظنّ باللَّه . قال الشاعر وأنفع من شاورت من كان ناصحا شفيقا فأبصر بعدها من تشاور وليس بشافيك الشفيق ورأيه عزيب ولا ذو الرأي والصدر واغر