النويري
67
نهاية الأرب في فنون الأدب
في الحبس ممن يؤمن شرّه غيرهما فليفرج عنه ودعهما في موضعهما ، فإنه من أطلق مثلهما على الناس فهو شرّ منهما وشريكهما في فعلهما . وكتب رجل إلى المأمون - وكان قد طال حبسه - : أغفلت يا أمير المؤمنين أمرى ، وتناسيت ذكرى ، ولم تتأمّل حجّتى وعذرى ، وقد ملّ من صبري الصبر ، ومسّنى في حبسك الضّرّ . فأجابه المأمون : ركوبك مطية الجهل ، صيّرك أهلا للقتل ، وبغيك علىّ وعلى نفسك نقلك من سعة الدنيا إلى قبر من قبور الأحياء ، ومن جهل الشكر على المنن قلّ صبره على المحن ، فاصبر على عواقب هفواتك وموبقات زلَّاتك ، على قدر صبرك على كثير جناياتك ؛ فإن حصل في نفسك كفّ عن معصيتي ، وعزم على طاعتي ، وندم على مخالفتي ، فلن تعدم مع ذلك جميلا من بيتي [ 1 ] والسلام . وقيل لأعرابىّ : أيسرّك أن تدخل الجنّة ولا تسيىء إلى من أساء إليك ؟ قال : بل يسرّنى أن أدرك الثار وأدخل النار . قال البحترىّ : تذمّ الفتاة الرّؤد شيمة بعلها إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها ويقال : إنما هو مالك وسيفك ، فازرع بملك من شكرك ، واحصد بسيفك من كفرك . قال الشاعر : قطَّ العدا قطَّ اليراعة وانتهز بظبا السيوف سوائم الأضغان إنّ البيادق إن توسّع خطوها أخذت إليك مآخذ الفرزان وقالوا : العفو يفسد من اللئيم ، بقدر ما يصلح من الكريم . وقال معاوية ابن يزيد بن معاوية لأبيه : هل ذممت عاقبة حلم قطَّ ؟ قال : ما حلمت عن لئيم وإن كان وليّا إلا أعقبنى ندما على ما فعلت . قال بعض الشعراء : متى تضع الكرامة من لئيم فإنّك قد أسأت إلى الكرامة
--> [ 1 ] كذا في الأصل ولعله : « برّى » .