النويري

63

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال : فتبسّم المعتصم وقال : كاد واللَّه يا تميم أن يسبق السيف العذل ! اذهب فقد غفرت لك الهفوة وتركتك للصّبية . وحكى : أن عبد الملك بن مروان غضب على رجل فهرب منه ، فلما ظفر به أمر بقتله ؛ فقال له الرجل : إن اللَّه قد فعل ما أحببت من الظفر فافعل ما يحبّه من العفو ، فإن الانتقام عدل والتجاوز فضل ، واللَّه يحبّ المحسنين ؛ فعفا عنه . وحكى عن محمد بن حميد الطَّوسىّ أنه كان يوما على غدائه مع جلسائه إذا بصيحة عظيمة على باب داره ، فرفع رأسه وقال لبعض غلمانه : ما هذه الضجّة ؟ من كان على الباب فليدخل ؛ فخرج الغلام ثم عاد إليه وقال : إن فلانا أخذ وقد أوثق بالحديد والغلمان ينتظرون أمرك فيه ؛ فرفع يده من الطعام ؛ فقال رجل من جلسائه : الحمد للَّه الذي أمكنك من عدوّك ، فسبيله أن تسقى الأرض من دمه ؛ وأشار كلّ من جلسائه عليه بقتله على صفة اختارها ، وهو ساكت ؛ ثم قال : يا غلام ، فكّ عنه وثاقه ويدخل إلينا مكرّما ، فأدخل عليه رجل لادم فيه ؛ فلما رآه هشّ إليه ورفع مجلسه وأمر بتجديد الطعام ، وبسطه بالكلام ولقّمه حتى انتهى الطعام ، ثم أمر له بكسوة حسنة وصلة ، وأمر بردّه إلى أهله مكرّما ولم يعاتبه على جرم ولا جناية ، ثم التفت إلى جلسائه وقال لهم : إنّ أفضل الأصحاب من حضّ الصاحب على المكارم ، ونهاه عن ارتكاب المآثم ؛ وحسّن لصاحبه أن يجازى الإحسان بضعفه ، والإساءة بصفحه ؛ إنا إذا جازينا من أساء الينا بمثل ما أساء فأين موقع الشكر على النعمة فيما أتيح من الظفر ! إنه ينبغي لمن حضر مجالس الملوك أن يمسك إلا عن قول سديد وأمر رشيد ، فإنّ ذاك أدوم للنعمة وأجمع للألفة ؛ إن اللَّه تعالى يقول : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) * الآية .