النويري
49
نهاية الأرب في فنون الأدب
نفسي ؟ قال : « بل شئ جبلك اللَّه عليه » ؛ قال : الحمد للَّه الذي جبلنى على خلق يرضاه اللَّه ورسوله . ومن الناس من يقول : إن الحلم ليس غريزة ولا طبيعة بل مكتسب مستفاد ، تتمرّن النفس الأبيّة عليه ، وتنقاد حبّا في المحمدة إليه . وقالوا : الحلم بالتحلَّم كما أن العلم بالتعلَّم . ويدلّ على ذلك ما حكى عن جعفر الصادق أنه كان عنده عبد سيّئ الخلق ، فقيل له : أما تأنف [ من [ 1 ] ] مثل هذا عندك وأنت قادر على الاستبدال به ؟ فقال : إنما أتركه لأتعلَّم عليه الحلم . ويحكى عنه أنه كان إذا أذنب إليه عبد أعتقه ؛ فقيل له في ذلك ؛ فقال : أريد بفعلى هذا تعلَّم الحلم . قال الشاعر : وليس يتمّ الحلم للمرء راضيا إذا هو عند السّخط لم يتحلَّم كما لا يتمّ الجود للمرء موسرا إذا هو عند القتر لم يتحشّم [ 2 ] وروى عن سرىّ السّقطىّ أنه قال : الحلم على خمسة أوجه : حلم غريزىّ ، وهو هبة من اللَّه للعبد ، يعفو عمّن ظلمه ، ويصل من قطعه ، ويعطى من حرمه ، ويحسن لمن أساء إليه ؛ وحلم تحالم ، يكظم غيظه رجاء الثواب وفى القلب كراهية ؛ وحلم كبر ، لا يرى المسىء أهلا أن يجاريه ؛ وحلم مذموم ، رياء وسمعة وهو حاقد ساكت يرائى به جلساءه ؛ وحلم مهانة وذلَّة وعجز وضعف نفس وصغر همّة . وقال أبو هلال العسكرىّ : أجمع كلمة سمعناها في الحلم ما سمعت عمّ أبى يقول : الحليم ذليل عزيز ؛ وذلك أن صورة الحليم صورة الذليل الذي لا انتصار له ، واحتمال السفيه والتغافل عنه في ظاهر الحال ذلّ وإن لم يكن به . وقيل : « [ الحليم [ 3 ] ] مطيّة الجهول » لاحتماله جهله وتركه الانتصاف منه . وقال الأوّل البيتين وقد تقدّما .
--> [ 1 ] زيادة يقتضيها استعمال اللغة ، ولعلها سقطت من الناسخ . [ 2 ] يتحشم : يتذمّم ويستحى . [ 3 ] زيادة عن ديوان المعاني لأبى هلال العسكرىّ ( ج 1 ص 108 مخطوط ومحفوظ بدار الكتب المصرية ) .