النويري

305

نهاية الأرب في فنون الأدب

ما لا يريبك » فيقدّم الإنكار ، ولا يعجّل بالتأديب قبل الإنذار . وإذا رأى وقفة رجل مع امرأة في طريق سابل لم تظهر منهما أمارات الرّيب ، لم يعترض عليهما بزجر ولا إنكار ، فما يجد الناس بدّا من هذا . وإن كانت الوقفة في طريق خال ، فخلوّ المكان ريبة ، فينكرها ؛ ولا يعجّل في التأديب عليهما حذرا من أن تكون ذات محرم . وليقل : إن كانت ذات محرم فصنها عن مواقف الرّيب ، وإن كانت أجنبيّة فخف اللَّه تعالى من خلوة تؤدّيك إلى معصية اللَّه . وليكن زجره بحسب الأمارات . وليستخبر . فقد حكى أنّ عمر بن الخطَّاب رضى اللَّه عنه بينا هو يطوف بالبيت إذ رأى رجلا يطوف وعلى عنقه امرأة مثل المهاة حسناء جميلة ، وهو يقول : عدت لهذى جملا ذلولا موطَّا أتّبع السّهولا أعدلها بالكفّ أن تميلا أحذر أن تسقط أو تزولا أرجو بذاك نائلا جزيلا فقال له عمر : يا عبد اللَّه ، من هذه التي وهبت لها حجّك ؟ فقال : امرأتي يا أمير المؤمنين ! وإنها حمقاء مرغامه ، أكول قامّه ، لا يبقى لها خامّه [ 1 ] ؛ فقال له : مالك لا تطلَّقها ؟ فقال : إنها حسناء لا تفرك ، وأمّ صبيان فلا تترك ، قال : فشأنك بها . فلم يقدم عمر رضى اللَّه عنه بالإنكار حتى استخبره ، فلما انتفت عنه الرّيبة أقرّه على فعله . وإذا جاهر رجل بإظهار الخمر ، فإن كان من المسلمين ، أراقها وأدّبه ؛ وإن كان ذمّيّا أدّب على إظهارها ، واختلف في إراقتها عليه ، فذهب أبو حنيفة إلى

--> [ 1 ] المرغامة : المغضبة لبعلها . وقامّة : من قمّ ما على الخوان إذا لم يدع عليه شيئا . وخامّة : من خمّ اللحم وغيره إذا تغير وفسد .